هيام حاجي – باحثة سياسية في شؤون العراق وكوردستان
في 28 تموز 2025، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارًا برفض دعوى لإصدار أمر ولائي يُلزم الحكومة الاتحادية بصرف رواتب موظفي إقليم كوردستان، رغم صدور قرار سابق عنها في شباط 2024 (224/اتحادية/2023)، يقر صراحة بالتزام. هذا التناقض القانوني لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي، حيث بدا أن المحكمة انتقلت من دورها الدستوري كمفسر للنصوص إلى أداة بيد مراكز القرار السياسي في بغداد، تُستخدم في لحظة نزاع لإعادة فرض الهيمنة على الصلاحيات الإدارية والمالية للإقليم.
غير أن ما يجعل هذا الانحراف أكثر إيلامًا هو أن جذوره لم تكن خارج الإقليم فحسب، بل شاركت فيه أطراف كوردية معارضة، إما بدافع حزبي أو سوء تقدير سياسي. فقد دعمت هذه القوى خطوة نقل صلاحية صرف الرواتب إلى وزارة المالية الاتحادية، اعتقادًا منها أنها وسيلة لإضعاف حكومة الإقليم. لكنّ هذه المناورة أفضت عمليًا إلى تقويض أحد أبرز أعمدة السلطة الإدارية للإقليم، ووضعها تحت وصاية بغداد. وبدل أن تحقق مكسبًا سياسيًا، خلقت أزمة هيكلية انعكست في صورة أزمة رواتب خانقة منذ منتصف 2025، دفع ثمنها المواطن الكوردي الذي لم يكن طرفًا لا في القرار ولا في الخلاف.
يؤكد هذا الانحراف في التقدير اعترافات صريحة من خارج الإقليم. ففي مقابلة تلفزيونية على قناة الرشيد بتاريخ 27 تموز 2025، مع ياسر عامر، وصف المفكر السياسي إبراهيم الصميدعي قرار المحكمة بأنه “سياسي بامتياز”، مُحمّلًا رئيسها السابق القاضي جاسم العميري المسؤولية المباشرة عن زعزعة التوازن الإداري في الدولة. وأوضح الصميدعي أن قرار نقل صرف الرواتب صدر دون استشارة للجهات التنفيذية أو حتى الجهات المالية المختصة، وأن المحكمة تسرّبت إلى ساحة ليست من اختصاصها، مما أضاف أعباء غير مبررة على الحكومة الاتحادية، وفاقم أزمة الثقة مع الإقليم.
ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان محاولات نظام صدام حسين في التسعينيات لسحب الإدارات من الإقليم ونقلها إلى كركوك والموصل. حينها، كانت الغاية تجريد الكورد من أي بنية مؤسساتية، ودفعهم للعودة إلى حضن الدولة المركزية. اليوم، تتكرر ذات الغاية بأسلوب قانوني ودستوري مغلّف. لكن ما يعمّق المفارقة أن القوى التي ساهمت في تسهيل هذا السيناريو ليست أجهزة أمنية أو مراكز قرار في بغداد، بل أطراف كوردية أخطأت الحسابات، فخسرت معها مجمل ثقة الشارع، بل وشرعيتها كطرف في المشروع السياسي.
والمفارقة أن هذه القوى لم تُقدم على أي مراجعة سياسية أو نقد ذاتي، رغم وضوح فشل استراتيجيتها. فبينما اعترف خصوم الإقليم بالأخطاء الاستراتيجية التي ارتُكبت بحق كوردستان، ما زالت هذه القوى تلوذ بالصمت أو تُكابر دون إقرار بمسؤوليتها السياسية والأخلاقية. وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى أهليتها لتمثيل الشعب الكوردي أو الدفاع عن مشروعه، الذي كان – ولا يزال – أحد أهم مكتسبات ما بعد 2003.
في المقابل، ورغم كل التحديات، صمدت مؤسسات الإقليم، وتجاوزت المرحلة بمواقف متزنة، وواصلت إدارة أزماتها دون اللجوء إلى تصعيد منفلت أو خطاب تفكيكي. هذا الصمود لم يكن خيارًا سهلاً، بل جاء نتيجة إيمان بأن الحكم الراشد لا يُختبر في لحظات الوفرة، بل في أوقات الضغط والمقاطعة. وحكومة الإقليم، برغم كل الضغوط السياسية والمالية، لم تنكفئ، بل واجهت الأزمة عبر توظيف ما تبقى من أدوات السيادة، وبثبات قانوني وإداري يستحق التقدير.
إن ما جرى لم يكن فقط لحظة صدام بين قرارات مركزية ومطالبات إقليمية، بل شكّل أيضًا كشفًا لمستويات متعددة من القصور في التفكير السياسي لدى بعض القوى، بدءًا من ضعف التقدير الاستراتيجي، مرورًا بعدم فهم توازنات المرحلة، وصولًا إلى خضوع القرار السياسي لمكاسب حزبية ضيقة على حساب المشروع الوطني الكوردي الأشمل. وإذا كانت المحكمة قد أسقطت قناع الحياد، فإن التاريخ أسقط أقنعة أولئك الذين ظنّوا أن طريق المعارضة يمر عبر تقويض الأسس السياسية للإقليم.