د. ابراهيم احمد سمو
في هذا الصباح، وأنا أستمع إلى صوت فيروز، من فيروز إلينا ومنّا إلى فيروز، أهدي هذا الرثاء على رحيل نجلها زياد الرحباني، ليكون هذا المقال عربون وفاء لصوتٍ سكن قلوبنا قبل أن يسكن الآذان
مؤلم أن يشتهر الإنسان بعد رحيله أكثر مما عاش من شهرة في حياته، لكن أشدّ إيلامًا أن يكون هذا الإنسان ابنًا لفنانة حملت العالم بصوتها، فيكتشفه الناس متأخرين فيما قلب أمّه ينكسر على غياب نجلها ..
منذ البارحة وأنا غارق في فكرة واحدة لا تفارقني: الكتابة عن الصوت الذي اخترق قلوبنا دون أن نهتم يومًا بلغة غنائه أو معنى كلماته. لم يكن الغناء عندها مجرّد لحن أو كلمات منسوجة بعناية، بل كان صوتًا يتسلّل إلى أرواحنا كل صباح، يعيد تشكيل اليوم في أعماقنا قبل أن يبدأ. نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الصوت اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ صوت فيروز.
فيروز ليست مغنية عابرة في ذاكرتنا؛ إنها فيروز الجميع، فيروزنا نحن الكورد، وفيروز العرب، فيروز الإنسانية بأسرها. هي ابنة هذا الكوكب الذي جمعه صوتها في مساحة واحدة من الأمل، جمعت الإنسان بالإنسان أينما كان، من دون أن تسأل عن لغة أو هوية أو حدود. وحين صدح صوتها، لم يكن أحد بحاجة إلى قاموس ليفهمها، فقد كان المعنى يسكن في نبرة الصوت، في الشجن الذي يعبر، في الفرح الذي يلمع في طبقاتها العالية، وفي الحنين الذي يسكن أنفاسها.
كم من صباح بدأ مع “سنرجع يومًا” أو “زهرة المدائن”! كم من قلب أثقلته الحياة شعر بالخفة حين سمعها! لقد أخرجتنا فيروز – بمجرّد أن يصل صوتها إلى آذاننا – من البؤس والكآبة، وحملت قلوبنا إلى أماكن أبعد من ضيق الواقع. لم يكن ذلك مجرد استماع إلى مغنية، بل كان طقسًا يوميًا للروح؛ فصوتها يهبّ علينا مثل نسيم الجبال في أيام الصيف، وفي تلك اللحظة نعرف أن الحياة ما زالت تحتمل بعض الأمل.
واليوم… فيروز ترقد في مكانها، مثقلة بالزمن، شاهدة على الحزن الذي لا ينتهي. لقد كبُرت، ورأت الكثير من الألم؛ رأت حزن بيروت المستمر منذ عقود – مدينة لم تتوقف دموعها – والآن تتلقى حزنًا آخر، أقسى من سابقيه: رحيل ابنها زياد الرحباني، ذلك الابن السبعيني الذي ورث اللحن من بيت فيروز وجعل منه طريقًا للحياة. رحل زياد ليترك صدى لحنه يزداد شهرة بعد موته، أكثر ربما مما عرفه في حياته؛ فقد كان ابن فيروز، والظل الذي تحرّك حول وهجها.
اليوم نحزن على زياد، لا لأنه فقط موسيقيّ كبير، بل لأنه ابن فيروز، ولأن رحيله يعيدنا إلى تلك الحقيقة المؤلمة: أن الزمن لا يرحم حتى الرموز التي نحبّها.
صوت فيروز كان دائمًا أكثر من غناء بالنسبة لنا كلّها الإنسانية جمعاء، ونحن الكورد جزءٌ أصيل منها. كنا ننتظر صباحات المذياع لنسمعها، نشتاق لصوتها قبل أن نعرف شكلها. كانت أغانيها تصل إلى قُرانا وجبالنا، تخترق المسافات والحدود واللغات. لم نكن نفهم كل كلماتها دائمًا، لكننا كنا نفهم كل شيء في إحساسها.
واليوم، حين فقدت فيروز ابنها، شعرنا وكأننا فقدنا فرداً من بيتنا نحن أيضًا. نحن، الذين نعيش وجعنا الخاص، ونتحمل غدر القريب والبعيد، نعرف تمامًا معنى أن يُثقل قلب أمّ بالفقد. حزن فيروز صار حزننا، لأن صوتها كان دائمًا فرحنا.
ليس فيروز فقط “مطربة لبنان” أو “أسطورة الفن”، هي فنانة الإنسانية التي تجاوزت حنجرتها كل ما صنعه البشر من حواجز: حدود جغرافية، أسلاك شائكة، أو حتى اختلاف اللغات. كثيرون لا يعرفون العربية، لكنهم أحبّوا صوتها بلا قيد؛ أحبّوها لأنها جعلتهم يشعرون بما لا تستطيع الكلمات قوله.
الشارع الكوردي، رغم الجراح العميقة والخذلان الذي نشعر به ممن حولنا، لم يتردّد يومًا في الاحتفاء بفيروز. فرحنا لفرحها، وحزنّا لحزنها، وغنّينا معها حتى دون أن نفهم كل الأغاني. وعندما فقدت اليوم ابنها، شعرنا أن مصيبتها ليست مصيبة بيتها فقط، بل مصيبة الإنسانية كلّها.
فيروز، التي هزّ صوتها الدنيا وأبهج الملايين، تقف اليوم أمام ألم لا يُحتمل. رحيل زياد ليس فقدان ابن فحسب، بل فقدان امتداد موسيقي وإنساني. لكنّ العزاء أننا نعلم أن اللحن الذي صنعه سيبقى حيًا، كما بقي صوت أمه خالداً في الأذن والذاكرة.
نحن نعرف أن فيروز لن ترحل حتى لو غابت يومًا؛ فهناك أصوات تعيش بعد أصحابها، تتحوّل إلى ذاكرة جمعية لشعوب كاملة. فيروز واحدة من هؤلاء القلائل الذين، حتى عندما يصمتون، يستمر صداهم في قلوبنا.
اليوم، نرسل من كوردستان إلى بيروت رسالة حزن ومواساة. نحن الذين عرفنا مرارة الفقد، نعرف أن الكلمات لا تردّ من رحل، لكنها تخفّف ثقل اللحظة قليلًا. نقول لفيروز:
رافَق الله فقيدك العاصي، وسهّل له الطريق، وألهمك الصبر على هذه المصيبة.
ويبقى صوتك – مهما تغيّر الزمن – الملاذ الذي نعود إليه كلما أثقلتنا الحياة. سيظلّ الجبل يغني معك، والسهول تردّد ألحانك، وسيبقى اسمك خالداً الآن وإلى الأبد