معاهدة أنقرة 1926: حسم قضية ولاية الموصل الكوردستانية وترسيم الحدود العراقية–التركية خارج إطار معاهدة لوزان

أ.د. خليل مصطفى عثمان

أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

الملخص
تتناول هذه الدراسة التاريخية التحليلية معاهدة أنقرة الموقعة بتاريخ 5 حزيران/يونيو 1926 بين كل من جمهورية تركيا والمملكة المتحدة والعراق، والتي جاءت في أعقاب فشل مؤتمر لوزان في حسم الخلاف بشأن تبعية ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية.
تفنّد الدراسة المزاعم الإعلامية والسياسية التي تربط هذا الملف بمعاهدة لوزان، وتوضح أن الحسم القانوني تم في إطار معاهدة أنقرة.
كما تسلط الضوء على المضامين السيادية للمعاهدة وأثرها الجيوسياسي المتواصل حتى اليوم، مع التركيز على تغييب الهوية القومية الكوردية في معادلة التقسيمات السياسية لما بعد الحرب العالمية الأولى.

مقدمة:
شكّلت قضية ولاية الموصل إحدى أعقد القضايا في السياسة الدولية للمنطقة عقب انهيار الدولة العثمانية، لما تنطوي عليه من تعقيدات جغرافية وقومية واقتصادية. فالمنطقة، ذات الطابع الكوردي السكاني، كانت محور تنازع بين الجمهورية التركية الفتية التي تبنت ما عُرف بـ”الميثاق الوطني”، وبين الإمبراطورية البريطانية التي سعت لترسيخ الكيان العراقي الملكي الوليد.

إن قراءة معاهدة أنقرة لا يمكن فصلها عن السياق العام للصراع البريطاني-التركي، ولا عن خريطة الوعود المقطوعة للكورد، خصوصًا تلك التي نصّت عليها معاهدة سيفر، قبل أن تُطوى تمامًا تحت ثقل التحالفات الجديدة في لوزان.
تسعى هذه الورقة لتوضيح أن معاهدة أنقرة هي الوثيقة الحاسمة في تقرير مصير ولاية الموصل، وأنها جاءت لتقنين واقع فرضته القوة الاستعمارية، متجاهلةً الإرادة الشعبية الكوردية وتطلعاتها.

أولًا: الخلفية التاريخية – من السيادة العثمانية إلى الاحتلال البريطاني

دخلت الموصل تحت الحكم العثماني المباشر سنة 1517 في عهد السلطان سليم الأول، وبقيت كذلك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. لكن بعد توقيع هدنة مودروس في أكتوبر 1918، والتي أنهت فعليًا العمليات الحربية، خرقت بريطانيا بنود الهدنة واحتلت الموصل في نوفمبر من نفس العام.

أدى هذا الاحتلال إلى تصاعد الخلاف بين بريطانيا وتركيا الكمالية، حيث أدرج مصطفى كمال ولاية الموصل ضمن حدود “الميثاق الوطني” التركي، بينما اعتبرتها بريطانيا ضرورية لضمان استقرار الدولة العراقية الجديدة.
وقد عبّر الملك فيصل عن أهمية الموصل بقوله:
“العراق بدون الموصل كجسد بلا رأس”،
وهو تصريح يوضح كيف تم النظر إلى الولاية الكوردية كأداة ضرورية في مشروع بناء الدولة العراقية.

و بالمقابل تضمّنت معاهدة سيفر (1920) بنودًا (62–64) تنصّ على إمكانية تأسيس دولة كوردية مستقلة في حال عبّرت أغلبية سكان المناطق الكوردية في جنوب شرق الأناضول (كوردستان توركيا)عن رغبتهم في ذلك مع امكانية ضم ولاية الموصل اليها . لكن هذه البنود أُسقطت في معاهدة لوزان، رغم أن معظم سكان ولاية الموصل – كما أقرّت لجان التقييم الدولية – كانوا من الكورد، ورغم الثورات الكوردية التي اندلعت في مناطق السليمانية، كركوك، أربيل، والمناطق الكوردية التابعة للواء الموصل ضد محاولات الإلحاق القسري.

ورغم المقاومة الكوردية السياسية والعسكرية، تمكنت بريطانيا عبر حملات عسكرية مكثفة من فرض السيطرة، وربط كامل ولايةالموصل إداريًا بالعراق سنة 1923، مع وعود غامضة بمنح الكورد “حقوقًا إدارية وقومية”، وهي وعود لم تُنفذ أبدًا.

ثانيًا: معاهدة لوزان لم تحسم مصير ولاية الموصل

كثيرًا ما يُروج أن معاهدة لوزان (1923) حسمت النزاع على الموصل، وأن لها “مدة صلاحية تنتهي بعد 100 عام”، وهذه مزاعم لا تستند إلى أي نص قانوني أو بند فعلي في المعاهدة.

في الواقع، الفقرة الثانية من المادة الثالثة من معاهدة لوزان أرجأت حسم قضية الحدود العراقية–التركية، وأوصت بإجراء مفاوضات مباشرة بين تركيا وبريطانيا خلال تسعة أشهر، مع الإشارة إلى أن فشل التفاوض يحيل القضية إلى عصبة الأمم.

وهذا ما حصل فعلاً، حيث رفعت القضية إلى العصبة، التي قررت في1926 ضم ولاية الموصل إلى العراق. لكن تقرير اللجنة الدولية أوضح بجلاء أن أغلبية سكان الولاية من الكورد، وأنهم يفضلون تشكيل دولة كوردية إذا أُخذ برأي السكان.

رغم هذا التوصيف، فإن عصبة الأمم لم تعتمد نتائج الاستبيانات المحلية، بل رجّحت الخيار البريطاني لأسباب سياسية واستراتيجية، ليتم توقيع معاهدة أنقرة في حزيران 1926 كإطار قانوني لإنهاء النزاع بشكل نهائي.

ثالثًا: معاهدة أنقرة 1926 – البنية والمضامين

وُقعت المعاهدة في 5 حزيران/يونيو 1926 في أنقرة، وشارك فيها:
•عن تركيا: وزير الخارجية توفيق رشدي بك
•عن بريطانيا: السفير رونالد تشارلز لندسي
•عن العراق: نوري السعيد، وكيل وزارة الدفاع

أقسام المعاهدة:
تتألف المعاهدة من 18 مادة موزعة على ثلاثة فصول:
1.الفصل الأول: ترسيم الحدود بين تركيا والعراق
2.الفصل الثاني: علاقات حسن الجوار
3.الفصل الثالث: أحكام عامة

أهم النتائج:
•تأكيد نهائي لسيادة العراق على ولاية الموصل.
•الاتفاق على توزيع عوائد نفط الموصل بنسبة (10% لتركيا لمدة 25 سنة) كتعويض رمزي، أسقطته تركيا لاحقًا مقابل مبلغ مقطوع.

طبيعة المعاهدة:
لا تحتوي على أي بند يُحدد “مدة زمنية لانتهائها”، مما يمنحها صفة الديمومة إلا في حال تم تعديلها باتفاق الطرفين.

رابعًا: المواد المحورية في المعاهدة
•المادة الخامسة:
يلتزم الطرفان باحترام خط الحدود المرسوم، وعدم السعي لتغييره بأي شكل من الأشكال. وتُعد هذه المادة بمثابة تحصين قانوني للحدود المعتمدة آنذاك.
•المادة الثانية عشرة:
تحظر ممارسة أي نشاط سياسي أو دعائي ضد أحد الطرفين انطلاقًا من أراضي الطرف الآخر. وقد استُخدمت هذه المادة لاحقًا لتبرير التعاون الأمني ضد الحركات الكوردية المعارضة للدولتين.

خامسًا: البُعد القومي الكوردي في سياق الإلحاق القسري

إن تجاهل التطلعات الكوردية في معاهدة أنقرة يُشكل أحد أوضح صور الإقصاء في تقسيمات ما بعد الحرب العالمية الأولى.
فرغم أن اللجنة الدولية نفسها أقرت بأن الكورد هم الأكثرية في ولايةالموصل، ورغم الحراك السياسي والمسلّح الكوردي، فإن القوى الكبرى (بريطانيا وتركيا) تغافلت عن هذه الوقائع، وفرضت سيادة الدولة العراقية على الولاية.

وقد أدى ذلك إلى تنامي الشعور القومي الكوردي بالخذلان والإنكار، وظهور حركات كوردية قومية تعارض هذه القرارات المفروضة من دون استفتاء شعبي أو تمثيل فعلي للكورد.

الخاتمة
إن معاهدة أنقرة لسنة 1926 هي المرجعية القانونية الحقيقية التي حسمت قضية ولاية الموصل، لا معاهدة لوزان. والمعاهدة لا تتضمن أي بند زمني يحدد نهايتها، بل تمثل اتفاقًا نهائيًا وملزمًا ما زال ساريًا إلى اليوم.

أما الادعاءات المتكررة حول “انتهاء معاهدة لوزان” أو “إمكانية استرجاع الموصل”، فهي خطابات لا تمت للواقع القانوني بصلة، بل يتم توظيفها سياسيًا لأغراض داخلية أو لتبرير سياسات توسعية.
وتُعد هذه المعاهدة مثالًا صارخًا على تغييب المكون الكوردي من معادلات تقرير المصير، رغم كونه الطرف الأكثر تأثيرًا وسكانًا في المنطقة المتنازع عليها، وهو ما يدفع إلى ضرورة إعادة تقييم الإرث القانوني والمعاهدي للمنطقة في ضوء حقوق الشعوب الأصلية.وهو ما جعل المنطقة غير مستقرة سياسيا و امنيا طيلة قرن من الزمان.

المراجع
• معاهدة أنقرة (1926): النص الكامل – الأرشيف الدبلوماسي العثماني
• Treaty of Lausanne (1923), League of Nations Documentation
• Sluglett, Peter. Britain in Iraq: Contriving King and Country, I.B. Tauris, 2007
• Tripp, Charles. A History of Iraq, Cambridge University Press, 2002
• Polk, William. Understanding Iraq, Harper Perennial, 2005
• McDowall, David. A Modern History of the Kurds, I.B. Tauris, 2004
• Yildiz, Kerim. The Kurds in Iraq: The Past, Present and Future, Pluto Press, 2007

قد يعجبك ايضا