العروس المتوهّجة/1

 

محمد عبد الحليم غنيم

ألّف جهـﭭـرتشند ميجاني (1896–1947) ما يقرب من مئة كتاب – بين روايات وسير ذاتية ومجموعات من القصص والقصائد والأغاني والمسرحيات. وقد كرّس حياته للحفاظ على التراث الثقافي المميّز لإقليم سوراشترا – شبه جزيرة كبيرة تمتدّ في بحر العرب من ولاية غوجارات الواقعة غرب الهند، المعروفة بأنها مسقط رأس المهاتما غاندي وآخر موطن طبيعي لأسود آسيا.

في عام 1922، شرع ميجاني في رحلة استمرت عدة سنوات عبر سوراشترا، بهدف توثيق تراثها الشفهي قبل أن تلتهمه قوى الاستعمار والتصنيع والتحضّر والنزعة القومية السابقة للاستقلال.

وقد فرض غياب الطرق المعبدة أو خطوط السكك الحديدية آنذاك على ميجاني السفر عبر تضاريس صعبة على ظهور الخيل أو الجمال أو في عربات يجرها الثيران، ليصل إلى القرى ويلتقي بالفلاحين والمتمرّدين والخارجين عن القانون.

تأتي هذه القصة، “العروس المتوهّجة” (العنوان الأصلي: “Parnetar”)، من الجزء الثاني ضمن مجموعة مكوّنة من خمسة مجلدات بعنوان “جوهـر سوراشترا”، نُشرت بين عامي 1923 و1927.

تدور أحداث القصة في بلدة رانافاف، وهي موقع تتداخل فيه الأساطير المستمدة من ملحمة الرامايانا الهندية القديمة.

في مقدمة “جوهـر سوراشترا”، يؤكّد ميجاني على تصوير شخصياته التاريخية ببساطة وصدق، من دون أي تزويق. وكأيّ راوي فلكلوري بارع، كان يُدرك أن الحكاية الشعبية ما هي إلا “إثنوغرافيا ذاتية” – أي أن الثقافة تحكي عن نفسها، لا كما يصفها الآخرون من الخارج.

وتهدف ترجمتي، كما تقول جيني بهات، إلى الحفاظ على الخصوصيات الثقافية – من الوجبات والملابس وتفاصيل الحياة اليومية، وصولًا إلى الرؤية الكونية الهندوسية التي تُجسَّد في الفصول الأخيرة – مع تقديم قصة يجد فيها القارئ بُعدًا إنسانيًا عالميًا عن الحب والبراءة والحوادث التي قد تشكّل مسار حياتنا.

– جيني بهات( المترجمة)

العروس المتوهّجة

بقلم: جهـﭭـرتشند ميجاني

ترجمة: جيني بهات

ترجمها إلى العربية: د. محمد عبدالحليم غنيم

على الحدود الغربية من إقليم سوراث، تقع قرية تُدعى رانافاف، سُمّيت تيمّنًا ببئرٍ محليّ شهير.في زمنٍ مضى، كانت المزارع في تلك المنطقة تزدهر كما تزهر الأزهار الدائمة. وكما يتسلّق الرضيع جسد أمّه ليصل إلى ثدييها المانحين للحياة، كذلك تسلّقت عائلات مجتمع “كانبي” الزراعيّ التلال، واستقرّت في حضن الأرض الأم، لزراعة الحبوب وكسب لقمة العيش. هذه قصة عن ذلك الزمان.

كان كيتو باتِل أحد ملاّك الأراضي من طائفة “كانبي” في تلك الأنحاء.وكان له ابنةٌ بلغت من الجمال حدًّا جعلهم يطلقون عليها اسم أجوالي، أي “المُتوهِّجة” – لكنهم كانوا ينادونها ببساطة: أنجو. وحين كانت أنجو تبتسم ابتسامةً خفيفة، كان النور، للحظة، ينتشر من حولها كالأشعة.

منذ ساعات الصباح الأولى، كانت أنجو تُعدّ من عشر إلى اثنتي عشرة رغيفًا من الخبز المُسطّح الغنيّ لتقدّمه لوالدها. ثم تنظّف الزرائب التي تُؤوي ثيرانهم الأربعة، وتكنس ساحة الدار حتى تبدو كأنها حديقة نظيفة هادئة. وبعدها، تحلب الجاموستين، تمسك بأضرعها الغليظة – السميكة مثل عضد رجل – وتجذبها بمهارة بين قبضتيها حتى تنهمر منها جداول دافئة من الحليب الكثيف. ثم تخضّ هذا الحليب الطازج بسرعة لتُحضّر أكبر قدر ممكن من اللبن الرائب.

كان الكثير من الخُطّاب يتوافدون لطلب يد “أنجو” الفاتنة الموهوبة، لكنّ “كيتو” كان يردّهم بلطف قائلاً: ” ما تزال ابنتي صغيرة على الزواج.”

في يومٍ من الأيام، زار شابٌ من قبيلة الكانبي منزل كيتو باتيل. كان يرتدي ثياباً بالية بالكاد تستر جسده النحيل، ووجهه الشاحب يكسوه لونٌ باهت. لكن في عينيه نظرةٌ أثارت الشفقة. فقرر كيتو باتيل تشغيله كعامل في الحقل، مقابل ثلاث وجبات يومياً، وثوبين، وزوجٍ من الأحذية، وحين يحين موعد الحصاد، يحصل الشاب على قدر ما يستطيع حصده بنفسه من سنابل القمح. وهكذا بدأ الشاب الذي يدعى ميبو عمله على الفور.

كانت أنجو نفسها تتولى مهمة إحضار غداء ميبو يومياً إلى الحقل. كانت تنتظر هذه اللحظة بشوقٍ بالغ، حتى أنها كانت تنهي جميع أعمالها المنزلية قبل الظهيرة بوقتٍ طويل. رغيفان من الخبز السميك تعلوهما قطعة كبيرة من الزبدة، وسيقان الكوليوس المخللة بالليمون التي كانت تعدها خصيصاً له، وإبريقٌ فخاري مملوء باللبن الرائب الغليظ – حين تجمع أنجو هذه الأطعمة وتتوجه بها إلى الحقل، كان وجهها يكتسب جمالاً يفوق أي وقتٍ آخر من النهار.

كانت أنجو تجلس بجانب ميبو تطعمه بيدها، مازحةً إياه بتهديداتٍ عابرة:

– إن لم تأكل، فستموت أمك!”

فيردّ وهو يبتسم:

– ليس لي أمٌّ حتى أموتَ عليها .

فتضيف وهي تضغط على كتفيه:

– إذن سيموت أبوك!

فيقول وهو يهزّ رأسه:

– ولا أبَ لي أيضاً.

فتغمز بعينيها وتقول:

– زوجتك إذن ستموت!

فيجيب ببراءة الرّحل:

– لعلّ أمها ما تزال تربي تلك الفتاة – زوجتي المستقبلية – في مكانٍ ما من هذا العالم.

فتميل نحوه وتقول بصوتٍ حنونٍ قاطع:

– إذن.. سيموت أحبّ الناس إلى قلبك!

عندما يسمع ذلك التهديد الأخير، يعود الفتى إلى طعامه بشهيةٍ متقدة. يومًا بعد يوم، كان سعده يزداد بلا حدود. في أحد الأيام، سأل الفتى:

– لماذا تُظهرين لي كل هذا اللطف؟

فأجابت ببساطة:

لأنك يتيم.. لا أمَ لك ولا أب.

وفي مرة أخرى، بينما كان صوت عجلة الساقية يتردد “كينشوك-كينشوك” لتروي الحقل، سألت أنجو:

– ميبو، ما الذي تتحدث عنه العجلة والمحور؟ ماذا يقولان لبعضهما؟

فأجاب ميبو بابتسامة خجولة:

– تذكّره بحياته الماضية. تقول للمحور: ’أيتها السيدة المحور! في تلك الحياة السابقة، كنتِ ابنة ملاك الأراضي باتل، وأنا كنتُ مجرد عامل فقير…

قالت أنجو ضاحكةً في حياء:

– يا له من بطل شجاع! هل نطقتَ أخيرًا بما في قلبك؟ لقد أصبحتَ جريئًا أكثر مما ينبغي، أيها القرد الخجول! انتظر فقط حتى أخبر أبي!

 

 

قد يعجبك ايضا