ضحايا الجفاف والفقر… “حرمان الفتيات من التعليم” أثر آخر للتغير المناخي بالديوانية

 

( الجزء الثاني  )

بغداد – متابعة *

     تردي الواقع التربوي

بالعودة إلى محافظة الديوانية، يقول علاء الشمري مدير عام التربية فيها:”نواجه في جنوبي العراق تحدياً متزايداً يتمثل في تسرب الطلبة من المدارس، والذي يعد ظاهرة خطيرة تستدعي الانتباه والتدخل”.

ويشير إلى أن الفتيات، على وجه الخصوص، يتأثرن بشكل كبير:” إذ تدفعهن الظروف الصعبة إلى ترك التعليم والمساهمة في أعمال الأسرة أو البحث عن مصادر رزق بديلة”.

وعد الشمري التغيرات المناخية، التي قال بأنها تضرب وبقسوة الاراضي الزراعية، من الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة: “جفاف الأنهار وتدهور الأراضي الزراعية أجبر العديد من العائلات على النزوح نحو مراكز المدن والعاصمة بغداد، بحثاً عن فرص عمل جديدة بعد أن فقدوا مصادر رزقهم الأساسية”.

ويرى مدير تربية الديوانية بأن هذا النزوح لم يترك فقط الأراضي الزراعية تموت، بل أيضا ادى الى خلو مدارس من طلابها :” اضطر أبناء هذه العائلات، وخاصة الفتيات إلى ترك مقاعد الدراسة”.

وأكد بأن الفتيات يواجهن تحديات مضاعفة: “فبالإضافة إلى الأعباء المنزلية والمسؤوليات التي تلقى على عاتقهن، يحرمن من حقهن في التعليم، مما يؤثر سلبا على مستقبلهن ويحد من قدرتهن على المساهمة الفعالة في المجتمع”.

وكان الجهاز المركزي للاحصاء في وزارة التخطيط  قد أشار في مسح إلى أن معدل الالتحاق بالتعليم الثانوي في محافظة الديوانية لعام 2011 بلغ 36,6 بالمائة بالنسبة للفتيات، فيما التحق 50,4 بالمائة من الذكور من مجموع 84255 طالب.

وأرجع المسح الاسباب الرئيسية للانقطاع المبكر عن التعليم، الى “عدم وجود مدرسة في المنطقة، بالاضافة الى أسباب اجتماعية، خاصة الفقر الذي يجبر الاولياء على تشغيل ابنائهم وبناتهم”.

وهنالك من يضيف “الدوام المختلط بين الجنسين” كسبب آخر لعدم التحاق الكثير من البنات في الديوانية بالمدارس ولاسيما الريفيات عملاً بالأعراف والتقاليد السائدة، علما أن هنالك في المحافظة 35 مدرسة للذكور و21 مدرسة للإناث و21 مدرسة مختلطة.

فرح الطائي، مديرة مدرسة “جبل أحد” الابتدائية للبنات في الديوانية، تقول بأنها تشهد يوميا الأثر البالغ الذي تحدثه التغييرات المناخية في المجتمع الزراعي من خلال تداعياته على تعليم البنات.

وتضيف:” مع تناقص موارد المياه، نرى العائلات تكافح للحفاظ على محاصيلها ومعيشتها، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قرارات متعلقة بتعليم الإناث”.

وتنبه الى أن تعليم الفتيات بدأ يتناقص في السنوات الخمس الماضية:”بعض العائلات اختارت الهجرة نحو محافظات آخرى بحثاً عن فرص عيش أفضل، بينما اضطرت أخرى لإيقاف تعليم بناتها”.

وتؤكد الطائي أن التعليم هو “حق أساسي وأداة تمكين لا يمكن التفريط بها”، لذا تدعو المجتمع والمؤسسات المعنية للوقوف مع المؤسسات التعليمية لدعم حق الفتاة في التعليم من خلال “توعية الأهالي وسكان القرى، ومساعدتهم وتشجيعهم على ضمان عدم حرمان أي فتاة من حقها في التعلم وبناء مستقبلها”.

تاثير التغيرات المناخية على فرص التعليم خاصة بالنسبة للفتيات، تثير قلق العديد من الجهات غير الحكومية، فضلا عن المؤسسات التشريعية والتنفيذية التي تطلق منذ سنوات برامج وخطط لتقليل معدلات الأمية.

محمد عبد الحسين، مدير مفوضية حقوق الإنسان في الديوانية، عبر عن قلقه البالغ لما وصفه بـ”تردي الواقع التربوي” في المحافظة، ولاسيما في المناطق الريفية جراء التغيرات المناخية أو ما ينتج عنها من آثار جانبية كهجرة العوائل لمناطق آخرى وترك أطفالهم الدراسة بسبب العمل او بعد المدارس عن أماكن سكنهم.

كما أشار إلى ان الديوانية تعاني من “نقص المباني المدرسية وتقادم الكثير منها، بالإضافة إلى نقص الكوادر التربوية المؤهلة”، وهذا يعني أن راغبين في التعلم قد يحرمون من تلك الفرصة نتيجة عدم وجود مدارس في مناطق سكنهم مع عدم قدرتهم على الدراسة في مدارس بعيدة نتيجة تكلفة النقل.

ويضيف:”  كما ان نقص الأبنية يعني اجبار الطلاب المستمرين بالدراسة على الالتحاق بنظام الدوام المزدوج أو الثلاثي (ثلاث وجبات دوام في بناية واحدة) مما يؤثر سلبا على تحصيلهم العلمي ويعيق تقدمهم. كما يؤدي نقص المعلمين والمعلمات في المناطق الريفية إلى تفاقم المشكلة، مما يهدد مستقبل التعليم في هذه المناطق”.

ويرى عبد الحسين أن هذه الظروف “تشكل انتهاكا لحقوق الأطفال في التعليم، وتخالف التزامات العراق الدولية في مجال حقوق الإنسان”، داعيا الجهات المعنية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لحل هذه المشكلة، من خلال بناء مدارس جديدة وتوفير الكوادر التربوية اللازمة لجميع المدارس، وإلغاء نظام الدوام المزدوج والثلاثي في جميع أنحاء المحافظة.

إجراءات وحلول

يقول الباحث الاجتماعي وليد محي الدين، ان التغييرات المناخية أثرت بنحو مؤكد على قدرة الكثير من الفتيات وبنسبة أكبر في الأرياف مقارنة بالمدن، على الإلتحاق بالتعليم أو الإستمرار به. ويرى بأن المجتمع العراقي بغالبيته قبلي وملتزم دينياً “والتشدد فيهما تدفع الإناث ضريبته سواء بمنعهن من التعليم او تزويجهن مبكراً أو إجلاسهن في البيوت”.

ويعتقد أن التغيير المناخي وتدهور الأوضاع الاقتصادية، كانت “ذريعة لمن يرى أن مكان المرأة هو المنزل، فعمل على منع ابنته أو شقيقته من الالتحاق بالمدرسة او مواصلة التعليم”، عادا “تفعيل قانون التعليم الإلزامي، الحل لمنع حرمان الإناث بوجه خاص من التعليم والأطفال في العراق بنحو عام”.

وينص قانون التعليم الإلزامي العراقي رقم 118 لسنة 1976 في مادته الأولى على “أولا – التعليم في مرحلة الدراسة الابتدائية مجاني والزامي لجميع الأولاد الذين يكملون السادسة من العمر، عند ابتداء السنة الدراسية، أو في 31/12 من تلك السنة .ثانيا – تلتزم الدولة بتوفير جميع الامكانات اللازمة له .ثالثا – يلتزم ولي الولد بالحاقه بالمدارس الابتدائية، عند اكماله السن المنصوص عليه في الفقرة اعلاه واستمراره فيها، لحين اكمال الولد مرحلة الدراسة الابتدائية، او الخامسة عشرة من عمره”.

الحقوقي محمد يونس، يبرر عدم تفعيل قانون التعليم الإلزامي للظروف والأزمات التي مر بها العراق خلال العقود الأربع الأخيرة “حروب وعقوبات اقتصادية دولية لأكثر من عشر سنوات ثم حرب وانهيار أمني واقتصادي ثم تداعيات كل ذلك مع فساد مستشر في مؤسسات الدولة”.

ويرى ان هناك متطلبات لتطبيق القانون كتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل البطالة والقضاء على الفقر “بعد ذلك يمكن للدولة إجبار ولي أمر الطفل على ارساله إلى المدرسة أو منعه من تشغيله  في سوق العمل اذا كان أقل من 15 سنة”.

زينب، معلمة في مدرسة الشنافية الابتدائية للبنات، بقضاء الشنافية التابع لمحافظة الديوانية، تضطر كل يوم لقطع مسافة ساعتين تقريباً ذهاباً وإياباً من مركز المحافظة إلى مدرستها، تقول: “أفعل ذلك إيماناً مني بأهمية التعليم ودوره في حياة طالباتي الصغيرات”.

لكنها تعبر عن قلقها مما يحدثه التغيير المناخي على الواقع التربوي في المحافظة بنحو عام وفي قضاء الشنافية بنحو خاص:” الكثير من الفتيات لم يلتحقن بالمدارس بسبب سوء الأوضاع المعيشية لعوائلهن، ونزحت الكثير من العائلات إلى مناطق أخرى ولا نعرف ان كان أطفالهم التحقوا بالدراسة هناك”.

وتؤكد:” أعداد الفتيات في المدرسة تناقصت بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الماضية، بسبب الهجرة من المنطقة أو بسبب عدم قدرتهم على توفير نفقات تعليم بناتها”.

وتنبه المعلمة زينب: “هناك فتيات في هذه المناطق يكافحن لمواصلة تعليمهن، بينما لا تشجّعهن عائلاتهن على ذلك، مما يجبرهن في النهاية على ترك مقاعد الدراسة، والتوجه للزواج المبكر أو العمل لمساعدة أسرهن، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على مستقبلهن”.

وتشير الى أهمية ضمان كل متطلبات تشجيع الفتيات على مواصلة دراستهن، كتوفر المدارس في كل القرى وتأمين الكوادر التعليمية من النساء.

تضيف مستشعرةً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها: “كيف سيصبح الأمر لو كانت مدرستنا تدار من قبل معلمين فقط، دون معلمات، أعتقد أن ذلك سيؤدي إلى تسرب جميع الطالبات دون استثناء”، مشيرة بنحو ضمني إلى العقلية الذكورية المسيطرة في المنطقة والتي لا تسمح بوجود معلم ذكر في مدرسة للبنات.

سليمة، والدة لأربع فتيات وصبي، من محافظة الديوانية، نزحوا الى بغداد، فقدت زوجها قبل أربع سنوات إثر نزاعٍ عشائري أودى بحياته، تاركا لها مسؤولية تربية أطفالها وإعالتهم، وأرضاً زراعية أسرية يشترك فيها 33 فرداً هم مجموع عائلات أشقاء زوجها وكانت مصدر دخل وحيد للجميع.

تقول بأن الأرض كانت تزرع بأرز العنبر:” ولم نعد نزرعه منذ عامين، بسبب منع الحكومة زراعته فأصبحت أرضنا مساحة جرداء قاحلة، مما دفعنا للنزوح إلى مناطق مختلفة والتخلي عن الزراعة”.

استقرت سليمة مع أطفالها، قبل أكثر من سنة، في منزل صغير غير مكتمل البناء بأطراف بغداد، حصلت عليه بمساعدة من شقيقها النازح مثلها، وتقول أنه غير آمن.

كان بعد المسافة بين مدرسة الأطفال ومنزلهم في الديوانية سبباً في عدم التحاقهم بالدراسة، وفي بغداد زاد الوضع صعوبة:” أصبح تعليمهم مستحيلاً. وأنا مضطرةٌ لدفعهم للعمل بدلاً من الدراسة لتوفير لقمة العيش”.

ورغم ان الحكومة تقدم مبالغ “رعاية اجتماعية” لمئات آلاف الأسر التي تعاني من غياب المعيل أو من أوضاع معيشية صعبة، الا أن المبلغ لا يكاد يؤمن الحد الأدنى لمتطلبات غالبية الأسر.

وتعمل الفتيات الأربع في أجواء غير آمنة صحياً واجتماعياً، فابنة سليمة الكبرى، البالغة من العمر 17 عاماً، تجمع النفايات البلاستيكية من مكبات القمامة ومن واجهات أبواب المحال التجارية، لتبيعها في بعض الأيام بمبلغ لا يتجاوز 3000 دينار (حوالي دولارين).

بينما تعمل شقيقاتها الأخريات وكلهن أصغر منها في “جمع بقايا الأغراض المستعملة من مكبات النفايات في المناطق المجاورة. هن لا يملكن خيارا آخر”. تقول الأم ذلك بحرقة وتعبر عن عجزها بالبكاء، ثم تواصل بعد تمالكها لنفسها:” ربما يكون الغد أفضل وتتحسن الظروف، ويلتحق أطفالي بالمدارس مثل باقي الأطفال”.

*انجز التحقيق تحت اشراف شبكة “نيريج” ضمن مشروع الصحافة البيئية الذي تديره منظمة “أنترنيوز”.

قد يعجبك ايضا