اللغة الجسدية للمعمار والأدب../2

 

رؤية تشاكلية

غادة البشاري

 

من بين مخرجات عملية التآلف والتداخل بين العالمين الأدبي والمعماري كان التعالق الحادث بين الثقافة المعمارية والثقافة الأدبية، فهناك علاقة إثراء متبادل، وإغناء فكري ولُغوي متقابل، حيث من الاستحالة فصل الصيغ الهندسية الواصفة لكيان معماري ما عن الصيغ الأدبية والثقافية، بكامل أدواتها وأساليبها اللغوية. بمعنى أنه ليس بالإمكان أن تكون مهندسًا
معماريًا على درجة عالية من الذكاء العلمي و المهني دون ان تمتلك لغة سليمة، وثقافة أدبية واسعة، تؤهلك لطرح آليات عملك بوضوح جليّ، وإثبات هويّته، والوقوف على التمفصلات الجمالية والإبداعية له، من حيث نوع التصميم، وتاريخه، وما يحمل من مفارقات قديمة ومعاصرة، والتدليل بملفوظات و مقولات عن علماء وأدباء سابقين،

4- تقارب الأدوار الفاعلة للأفراد داخل النص الهندسي والأدبي

المدونة البلاغية و النقدية القديمة على اختلاف مرجعياتها التفتت بشكل كبير إلى المتلقي، حيث جعلته جزءًا لا يتجزأ من العملية الأدبية، وركنًا فعّالًا في الدائرة الإبداعية، ثم جاءت النظريات النقدية الحديثة وأولت اهتمامًا كبيرًا بجمالية التلقي، وكان على رأسها الألمانيان هانس روبرت جاوس Hans Robert Jauss و فولفغانغ آيزر Wolfgangiser ، حيث انقسم المتلقي على وفق هذه النظريات إلى نوعين: قارئ واقعي؛ وهو الذي لاينتمي للأثر الأدبي قدر انتمائه للواقع المعاش من حوله، كما يقول عبد القاهر الجرجاني: “لابد لكل كلام تستحسنه ولفظ تستجيده من أن يكون لاستحسانك هذا جهة معلومة وعلّة معقولة”()، والقارئ النموذجي “المجرد” الذي يفترضه الكاتب أثناء عملية الكتابة، حتى يوفر لنصه مقرؤية ناجعة تساير المقصدية التي يسعى إليها.

هذا يعني أن مؤلف النص عندما يشرع في كتابة نصه فهو يضع نصب عينيه قارئًا ضمنيًّا له قدرة موسوعية فائقة تجعله يدرك الجوانب الخفية للنص، بل و تمكنه من تأويله بحرفية عالية.

وإذا قاربنا ذلك بالمبنى المعماري وتصميمه فإننا نجد المتلقي هنا “الساكن النموذجي” الذي تفترضه مخيلة المعماري أثناء تصميمه هو الذي يتبنى بشكل كبير إنشاء تفاصيل المعمار و أركانه وزواياه واتساعه وإطلالاته وغير ذلك من تصورات تتسلط على وعي ولا وعي المؤلف المعماري، أي أنه يتعامل مع المبنى على وفق معطيات ضمنية، وتصميم يستوعب متطلبات ساكنه النموذجي، ويُحقق استراتيجية الأثر والإقناع التي يسعى إليها المعماري كما يسعى إليها الأديب.

إذن فالساكن المثالي شأنه شأن القارئ المثالي ينظم النص المعماري، ويخلق حوارية تواصلية مع مهندسه طيلة فترة البناء.

والسؤال المُلح هنا….ما مدى تقييم الساكن الواقعي في هذه الإبداعية المعمارية؟

على حد رؤيتي فإن لكل نمط معماري ساكن واقعي وآخر نموذجي، تمامًا كما القارئ، كما تقول المقولة القديمة: “لكل مقامٍ مقال”، فيستحيل إذن بأي حالٍ من الأحوال أن نبسِط الواقعية ذاتها على قانطيّ المباني كافةً باختلاف ثقافاتهم و انطباعاتهم و بيئاتهم واحتياجاتهم. فعلى سبيل المثال لا يمكننا أن نعتبر الساكن القرويّ ساكنًا واقعيًا لناطحات السحاب أو البيوت الزجاجية الحديثة مثلًا، والعكس صحيح. وباتباع هذا المنطق يكون أيضًا القارئ الواقعي مُحدد بثقافته وفكره ومشاعره وأزماته النفسية والحياتية.

من هنا يصبح طرفي العملية الأدبية أو الهندسية شركاء في بناء نصهم بدايةً من كونه مجرد فكرة إلى أن يصبح مبنى متكاملًا. إلا أنه تظل هناك فوارق فكرية بينهما تعلق في تلابيب النص، تُحدث فجوات مفهومية، يجتهد المُستقبِل في التوصل لأداءٍ توفيقيّ يرأبُ هذه الفجوات. “يقول ولفغانغ أيزر WOLFGANGISER أستاذ الأدب الانجليزي والأدب المقارن في جامعة كونستانس: إنها الفراغات لكي يتمعن القارئ التفكير حول قصد النص أو المؤلف، وعندما يمر القارئ على مثل هذه الفراغات يقوم بملئها مستخدمًا خبراته ومعلوماته المعرفية الخاصة”()

يتوارد استفهام في ذهني الآن يحتاج لاستنفار بحثيّ جاد:
هل النص الأدبي أو المعماري يمكن أن يتحدث عن نفسه حين يُقرأ أو يُسكن، أم أنه انعكاس صريح لمقصدية المُرسل الحقيقي أولًا، ثم المقرؤية الانطباعية للمُستقبِل ثانيًا؟

5- مضامنة الكاليغرافي باعتباره نسيج أدبي معماري

الفن الكاليغرافي هو الكتابة بالخط العربي اليدويّ الجميل في نمطٍ هندسيٍ بديع، وهو نوع من أنواع الفنون البصرية، حيث يتجلّى الفن الكاليغرافي ( (calligraphy وتنبثق فكرته من كونه نسيجًا متداخلًا من ثلاثة فنون: فن الخط العربي، فن التشكيل الهندسي، وفن التشكيل الأدبي. حيث يعتمد على مهارة كتابة الحروف العربية في قالب زخرفيّ بديع، تتسق بها الكلمات في هيئة هندسية غير مألوفة، تحمل دلالات ضمنية ذات مؤثرات حسيّة فاعلة، لها إيقاع زاخم بالتناغم و الجمال، يلامس نفس الرائي ووجدانه. وقد استخدمه قديمًا المسلمون، وبلغ أوّج انتشاره أثناء العصر العثمانيّ، كذلك بدأ ظهوره في آسيا وبالتحديد في الهند مع اعتماد تسجيل نقوش الديانة البوذية على المعابد والكتب.
لهذا كان الفن الكاليغرافي أحد أوجه النسيج الأدبي المعماري، وهو “حرفة تتطلب مهارات إبداعية” ()

6- تأثير الميثولوجيا المعمارية على الكتابة التخييلية تحت سيطرة القوة الزمنية

إن الأدب العربي هو أدبٌ دائري بطبيعته، أي أن مركز ثقله هو القديم “التراث” وكما يقول الناقد العربي محمد عابد الجابري : ” نحن كائنات تراثية “، لهذا كانت وقتية الكتابة وقتية انفصالية عن الواقع، أي أنها تولد و تترعرع في ظل ذاكرة مكانية حقيقية، أو تخيلية تقع تحت سيطرة قوة زمنية معينة.

هذه الذاكرة المكانية – الحقيقية أم التخييلية – تحضر بكثافة كطاقة تصوريّة حيوية لخيال الكاتب أو القارئ، فالكاتب يسترسل في خلق معماره الأدبي بصوره و عباراته وأنساقه منقادًا – في تبعية لاوعيية – إلى تلك الذاكرة المكانية، بزواياها، ومنعطفاتها، وهيئتها المعمارية والهندسية، التي تُعد “إرثًا معماريًّا” يحيا داخل منظومة الذاكرة، ويرتكز على إحداثيات زمن معين في عمر الكاتب أو على نماذج تخيلية قديمة أصبحت مع تعاقب الأزمنة ثوابت راسخة في الأذهان، تُشكل الفلسفة الزمانية والمكانية التي ينتجها عقل الكاتب أو القارئ – على حد سواء – ويقع تحت سلطتها أثناء عمليتي الكتابة والقراءة. على سبيل المثال: حين يكتب الأديب نصه عن العصور القديمة فإنه يكتب وصوب عينيه كل مراسم الميثولوجيا المعمارية من كهوف، وقلاع، ومنارات، وغيرها، وحين يضفي على كتاباته سمة إسلامية – العصر العباسي مثالًا – فإن ذهنه يمتلئ بشحنة تخييلية عن باحات بلاط السلطنة، والقصور ذات الأعمدة الشاهقة، ومتاجر الأسواق، وما إلى ذلك من معمار عباسيّ, وهكذا، فإن الحالة الذهنية للأديب أثناء ممارسة الكتابة تكون قد خضعت للهيمنة المعمارية الخاصة. وهذا جانب آخر يؤكد العلاقة الوثيقة بين المعمار والأدب.

مقدمة البحث: أ. غادة البشاري – ماجستير لغة عربية ونقد مديرة مدرسة دانة الدرة الدولية – بنغازي/ ليبيا

قد يعجبك ايضا