المتنبي والحداثة

 

د . صباح ايليا القس

 

 

الحداثة تعني التجدد والتطور والمعاصرة لا سيما في الشعر الذي يلبس في كل عصر لباساً جديدا يتناسب بحسب منهجية الحياة برمتها مثل الاحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماهية , فلا يمكن أن يقبل العقل خطاب الشعر الجاهلي الذي لا يتناسب مع خطاب الشعر العباسي بما اشتمل عليه من تطور في اساليب الحياة والعيش والسلوك وحتى الطعام وما طرأ على الاوضاع السياسية من قصور الخلفاء والامراء والقواد والجواري والملابس والغناء والموسيقى بل لا يمكن ان ننسى التطور العلمي والمعرفي والاساليب الادبية التي أطلعنا عليها المترجمون ولا سيما كتب اليونان والفرس والهنود وما نقله المترجمون السريان من علوم ومعارف وفلسفة ورياضيات فهل يعقل أن نتجاهل هذا التطور في الحياة ونتمسك بالناقة والرمال والقبيلة وسيل الدماء دفاعا عن بركة ماء .

نحن لا ننكر وجود التقليد ولكن من جهة اخرى لا يمكن أن نتغافل عن التطور الفكري والحكمة والفلسفة التي جاء بها شعراء العصور المتعاقبة فقول المتنبي :

ومـــن صحـــب الدنيــــا طويــــلا تقلَّبــــتْ      علــــى عينـــه حـــتى يـــرى صدقهــــا كذبـــا

لا يمكن أن نقول أن هذا الشعر هو من مواصفات الحداثة الشعرية في العصر العباسي بل هو شعر تقليدي حتى النخاع . اذ اننا نجد الى اليوم من يسير على خطى الاقدمين في التقليد اذ هو مؤمن ان في هذا الشعر تكمن العبقرية الشعرية ولن ينفع ما نحاول أن نقنعه به من أن الحياة تسير نحو فك اسرار النجوم وأنت ما تزال تبحث عن ( بعر الارام في عرصاتها ) .

إن الشعر يسعى دوما للتعبير عن الانسان اذ هو مأخوذ من الشعور وعلى الاغلب من الافضل أن يتطابق الشعر مع الشعور وأنت تعيش في عصر الانترنت فلا يمكن أن يكون شعورك بما يقاس عليه شعر عنترة بن شداد في الفروسية او معلقة زهير بن أبي سلمى في أبيات الحكمة التي كانت تتطلبها مسألة فك الاشتباك بين قبيلتين …

المبدعون المجددون موجودون في كل عصر وزمان اذ نجد في كل مرحلة من يمثلها ويأخذ دوره في النشاط الادبي والشعري على وجه الخصوص وهو حتما يمثل جيل الشباب المندفع الباحث عن فرصته وهو القادر على فرض رؤاه وافكاره واساليبه حينها يندفع المقلدون الى تسقيط هذا الانبعاث بما يشتملون عليه من مكانة وقدرات بحيث يتشبثون في مواقعهم لكن اندفاع الشباب يعرقل مساعيهم حتى يحقق موطئ قدم له في الساحة ويبدأ حينها بالتوسع حتى يسيطر على الساحة ويبقى المقلدون يعيشون دوامة التقليد مع قلة الابداع وكثرة التكرار هذه هي حقيقة الحياة التي تتجدد مع كل جيل الذي يترك بصمته حتى تتلاشى بصعود أنماط جديدة ممن حيث الشكل او المضمون ,.

وعلى الرغم من رياح التغيير التي طرأت على النشاط الشعري ولو اننا قلنا ان المتنبي من المجددين في زمنه لكننا نجد في كل قراءة جديدة لشعر المتنبي ما يعطينا مساحة للبحث عن الجديد الذي لم يعرفه دارسوه على كثرتهم عبر السنوات السابقة بين ناقد وحاقد وناقد وحامد فهو في كل عصر تجد في شعره ما يعين على التجدد بدليل حبُّ الناس والقراء لشعره وحفظه ودراسته والاستفادة منه في التدليل والشواهد سلبا او ايجابا .

ان شعر المتنبي يصلح لكل زمان اذ انه يخترق الزمن بما نتلسمه فيه من طاقة شعرية دافقة تجعله كأنه ابن يومه يقول المتنبي في الحاسدين :

ومـــنْ يــك ذا فـــم مُــــرٍّ مريــــــض     يجــــــد مُــــــرَّا بــــــــه المـــاء الزلالا

فكيف يستطعم المريض الماء الصافي , ومرضى الفهم والادراك قليلون .

ويقول :

ومـــن جهلــــتْ نفسـُــــه قــــدْرَه            رأى غيـــــرُه منــــــه مـــــــا لا يــــــرى

ولكي تعرف معنى هذا البيت يجب أن تعاود قراءته مرات ومرات حتى تدرك معناه المتجدد .

 

قد يعجبك ايضا