متابعة ـ التآخي
تحاول الولايات المتحدة استدراك تأخرها وغفلتها عن النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا، بحسب متخصصين ومراقبين، في قمة احتضنتها الأربعاء 14 كانون الاول 2022، محذرة من تنامي نفوذ الدولتين الغريمتين لها في أكثر من منطقة بالعالم.
ويثير النفوذ الصيني والروسي المتنامي في الدول الأفريقية مخاوف الولايات المتحدة، من مغبة توسع الدولتين الغريمتين لها وللغرب عموما في هذه المنطقة.
وبمناسبة استضافتها للقمة الأمريكية – الأفريقية الأربعاء، حذرت واشنطن من أن نفوذ الصين وروسيا “يمكن أن يكون مزعزعا للاستقرار”.
ورصدت الولايات المتحدة 55 مليار دولار لأفريقيا لاستمالة دول القارة نحوها، تتضمن مساعدات في مجال الرعاية الصحية واستكشاف الفضاء بخاصة مع توقيع نيجيريا ورواندا اتفاقيات أرتميس. كما ستدعو واشنطن لتعزيز دور أفريقيا على الساحة الدولية مع مقعد في مجلس الأمن الدولي، وتمثيل الاتحاد الأفريقي في قمة مجموعة العشرين.
في المقابل، تعد الصين أول دائن عالمي للدول الفقيرة والنامية وهي تستثمر مبالغ طائلة في أفريقيا الغنية بالموارد الطبيعية. من جانبها، عززت روسيا تواجدها في القارة بشكل كبير بما يشمل إرسال مقاتلي مجموعة “ فاغنر“ لعدة دول أفريقية وهي تقيم علاقات وثيقة مع بعض العواصم الأفريقية.
ويرى متخصصون في الشأن الأفريقي، أن الصين وروسيا مثل بقية الدول تسعى لبسط نفوذها في أفريقيا، القارة الخصبة من حيث الموارد الطبيعية وهو ما يثير شهية الكثير من الدول المتقدمة التي تريد عبر بسط نفوذها الوصول إلى هذه الموارد الطبيعية التي تتمتع بها كثير من الدول الأفريقية، بحسب المتخصصين.
ويرى باحثون في العلاقات الدولية، إن الأمر لا يتعلق بـ”النفوذ”، وهم يرون بأن المصالح والمنافع هي أمر اعتيادي في سياسة الدول التي تسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية جيوستراتيجية وأمنية. من هذا المنظور، تسعى روسيا والصين لتطوير علاقاتها التجارية والاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية والتسليحية مع أفريقيا. وهذا ما تفعله أيضا الدول الغربية وحتى بعض الدول العربية والهند وإيران، مع قارة بكر تزخر بثروات بشرية ومادية هائلة.
ويبين الباحثون ان علاقات روسيا والصين مع أفريقيا ليست بجديدة، وقد بدأت تتطور مع حصول الدول الأفريقية على استقلالها. وكان الاتحاد السوفييتي السابق يمد نفوذه في القارة بوساطة بدعم نضال شعوبها للتخلص من الاستعمار الغربي وتقديم المساعدات الاقتصادية والتنموية وحتى العسكرية للعديد من الدول الأفريقية، خاصة التقدمية منها، بحسب قولهم، مستدركين، لكنها ظلت محدودة ثم انقطعت مؤقتا مع نهاية الحرب الباردة؛ ومع عودة هذه الحرب بدءا من العقد الأول من هذا القرن عادت روسيا ولكن بإمكانات محدودة لانتهاج سياسة اليد الممدودة نحو أفريقيا ومناهضة التواجد الغربي التاريخي فيها، وهذا ما نراه بوضوح في منطقة الساحل. وقد استغلت أخطاء الغرب الفاضحة، بخاصة تجاه ليبيا، لتتمدد عسكريا في جمهورية وسط أفريقيا ومالي عبر مقاتلي “فاغنر“. أما الصين فإن سياستها الأفريقية قامت منذ ثلاثة عقود على الاستثمار والاقتصاد خاصة في مجال تقديم القروض من دون شروط سياسية. وبلغت قيمة هذه المساعدات أكثر من نصف مليار دولار، على حد قولهم.
من جانبهم، يقول اكاديميون “بكل تأكيد تسعى الصين وروسيا لبسط نفوذهما في القارة الأفريقية الغنية بثرواتها المعدنية، اذ تستغل الصين السوق الأفريقية لاستثمار منتجاتها ونقل تكنولوجيتها وتمويل مشاريع تنموية وبنية تحتية عبر شركاتها المتعددة في معظم دول القارة، لذا أصبحت الشريك الأول في أفريقيا مؤخرا. كما تركز روسيا على الجوانب الأمنية والعسكرية مستغلة عجز التدخلات الغربية في تحقيق الأمن في الساحل الأفريقي ووسط وشمال القارة، وان تنامي شركة فاغنر بجانب الاتفاقيات العسكرية والأمنية أكبر دليل على هذه الرغبة الروسية، على حد وصفهم.
وبالنسبة للعبة المحاور الدولية بين القوى العظمى، رأى اعلاميون ان هناك تحركات وخطة واضحة للصين وروسيا لبسط نفوذهما في أفريقيا، لكن يبقى أنها مختلفة بالنسبة لكل منهما، حيث أن الأولى تريد نفوذا اقتصاديا يسمح لها بالحصول على صفقات مربحة مع الدول الأفريقية فيما يخص التبادل التجاري والطاقة وما إلى ذلك؛ أما روسيا، فهي تريد نفوذا أمنية، مضيفين “كما نعرف فإن روسيا استغلت ملف محاربة الإرهاب في أفريقيا وأبرمت اتفاقيات مع الحكومة المالية مؤخرا لإرسال نحو1200 جندي ضمن مجموعة فاغنر إلى مالي لتدريب الجيش المالي، واعتمادا على مثل هذه الصفقات المبرمة بين الحكومة الروسية مع الدول الأفريقية، نجد أن موسكو تريد بسط نفوذها في المنطقة من خلال البوابة الأمنية“.
ويوضح باحثون انه حتى الآن ليست هناك سياسة محاور ولا تنسيق صيني – روسي، اذ إن السياسة الروسية منفصلة ومختلفة عن السياسة الصينية التي تمتلك قوة استثمارية هائلة تفتقدها روسيا؛ لكن القاسم المشترك الوحيد بينهما هو معارضة ومحاربة الاستئثار الغربي بالقارة برغم أن مصالحهما هي أكبر بما لا يقاس مع الغرب نفسه، فيالأقل حتى اندلاع حرب أوكرانيا، على حد قولهم.
ويرى اكاديميون انه وبرغم التقارب بين الصين وروسيا في كثير من القضايا الدولية، وسعيهما لمحاولة بناء نظام عالمي جديد تحت قيادتهما، إلا أنهم أستبعدوا القيام بلعبة محاور. بل هناك تنافس بينهما على فكرة السيطرة على القارة، مع ترك الباب مفتوحا أمام التعاون الثنائي بينهما أحيانا عند الضرورة وبخاصة لمواجهة القوى الغربية، بحسب وصفهم.
ويرى اكاديميون ان “الأفارقة هم ضحية لتكالب دولي متجدد ومتسارع، وضع معظم القادة في حيرة من أمرهم. لكن يظهر أن الكفة ترجح في الوقت الراهن لصالح الصين اقتصاديا، ولصالح روسيا أمنيا، كل ذلك على حساب الغرب. وذلك نتيجة أسباب تاريخية مرتبطة بالإرث الاستعماري الغربي والعروض الصينية والروسية التفضيلية نوعا ما مقارنة مع الغرب، بخاصة أن الدولتين لا تفرضان شروطا على الأنظمة السياسية الأفريقية كقضايا حقوق الإنسان واحترام الحريات أو الديمقراطية. مع ذلك، الفيصل في النهاية سيكون للدول التي تقترح الأفضل للقارة”، بحسب تعبيرهم.