قراءة في قصيدة «مأساة النرجس وملهاة الفضة» لمحمود درويش/2

 

بقلم نجمة خليل حبيب

 

ولعل في الصورة الشعرية، “يصطادون من شهدائهم نجماً يسيِّرهم الى وحش الطفولة”، مثلاً على ما تكتنزه القصيدة من طابع دراميّ ملحميّ. فالحركة الصراعية اللامعقولة الموجودة في جعل الشهيد صيداً، والسعي لبلوغ حالة طفولية وحشية، سمة من سمات العمل الملحمي. وقد تتجلى هذه الحركة بشكل أوضح عندما تخرج الطفولة من ضعفها وبراءتها إلى نقيضها، “الوحشية”. أو عندما يكون الوحش (المخلوق غير المروض)، هو الذي انزاح عن معناه فَعِوَضاً عن أن يكون رمز القسوة والعنف والبربرية صار البراءة، بدء الشيء قبل أن تلوِّثه تعقيدات الحضارة وتغذي فيه قِيَمها الربحية، من استقواء وجشع وتسلط. وقد عرف الخطاب الجمالي العالمي تمجيداً للوحشية، وتفوّقها في المعرفة الحدسيّة التي تُمكِّن المرء من إدراك المعنى الكلي للوجود. يحضرني، ما نسبه الكاتب الأسترالي “دافيد معلوف” للطفل الوحش في روايته حياة متخيلة Imaginary Life من تفوق بالكشف على الشاعر المتَحضِّر. فقد استطاع الطفل الوحش الذي تربى بين الذئاب أن يعّلم الشاعر المتمدن لغة الطبيعة ويقوده في رحلة الكشف عن كنه الوجود الحقيقي. [5] واستطراداً نذِّكر أنها ليست هذه هي المرة الأولى التي نسب فيها المبدع الفلسطيني إلى الطفولة قسوة ووحشية، فالظروف القاسية التي عاشها الفلسطينيون في منافيهم جعلت أطفالهم ينضجون قبل الأوان، وقد رأينا ذلك في كتابات غسان كنفاني في قصص مثل “كعك على الرصيف”، والمنزلق، وزمن الاشتباك، وغيرها. قد يتبادر إلى الذهن أن هذه العبارة (يصطادون من شهدائهم نجماً يسيِّرهم الى وحش الطفولة) إدانة لسذاجة الفلسطيني الذي لم يتعلم من إخفاقاته المتكررة، وأنها ليست إلا لغة صامتة للأخرى الصاخبة التي أطلقها غسان كنفاني في مسرحية “الباب” [6]. غير أنّ المساءلة العاجزة التي أعقبتها، “كم مرّة ستكون رحلتنا البداية؟” تحمل تظلُّماً أكثر منها لوماً.

 

رغم ابتعاد الشاعر عن بلاغيات العربية في الحماس والفخر التي تقتضيها البطولة، ظلت دلالاتها مبثوثة لماحة في معظم الأحيان، عالية في أمكان قليلة:

 

“يا نشيد! خذ العناصر كلها

واصعد بنا

سفحاً فسفحاً

واهبط الوديان-

هيا يا نشيدُ

فأنت أدرى بالمكان

وأنت أدرى بالزمان

وقوة الأشياء فينا” (421).

 

ورغم أن الشاعر لم يستعمل لغة التبشير ولكنه أوحى به بطريقة مواربة:

 

“إن الأرض تورث كاللغة!

. . . ونشيدهم حجر يحكّ الشمس” (422).

 

حرّر درويش العودة من معاني الانكسار والانسلاخ عندما رفع الأرض إلى مستوى اللغة. فاللغة والكائن البشرية ملتصقان التصاقاً عضوياً. فكما تتغلغل اللغة في ذات صاحبها ولا يقوم بينهما فكاكاً، هكذا هي الأرض. لذلك هي عائدة، أو بالأحرى، هي لم تُهْجَر لأنها موجودة في الوجدان كاللغة. ومما يزيد من بروز هذا المعنى دخول حرف التوكيد “إنّ” على الجملة، وهو لغوياً، ينكر ما قبله ويثبت ما بعده. فبدخوله أنكر ما قبله (المضمر هنا)، الادعاء القائل بسقوط حق الفلسطينيين في الأرض، وأثبت ما بعده، “الأرض تورث كاللغة”. [7]

لم يستسلم الشاعر كلياً إلى هذا التجريد في معاني العودة بل ردها إلى معناها التقليدي، ولكن بطريقة غير تقليدية. بشّر بها دون أن يسميها أو يبرز تفاصيلها الجزئية. اكتفى بالإيحاء، وذلك عندما جعل الحجر نشيداً يحكُّ وجه الشمس. فالمجد الذي وصل إليه الحجر (وجه الشمس)، هو الذي سيحقق العودة. ولا يخفى ما في كلمة نشيد من معانٍ ترتبط بالحرب والحماسة والتحريض على البطولة. وخوفاً من أن تسقط القصيدة في المعاني التقليدية المباشرة من فخر وحماسة، عدل الشاعر عن لغة المفاخرة إلى لغة الغياب. فهو لم يُسّجِ بطله على أكاليل الغار والمجد، بل على البسيط والضروري والأصيل (أرغفة الشعير، وصوف اللوز). وهو لم يَعِدْهُ بالأخذ بثأره دماً مقابل دم، بل وعده بالوفاء لذكراه، وخرج عن المألوف الشعري في معاني البقاء فجعله تحنيطاً. ولا يخفى ما للتحنيط الماديّ من تفوق في الحضور على الآخر المعنوي، الذكرى. وزاد على ذلك بأن جعل هذا التحنيط مزيجاً من رقة وعنفوان كنّى عنهما بزهرة الليمون والريشة المقلوعة من طائر الفينيق:

“أيها البطل المسجى فوق أرغفة الشعير وفوق صوف اللوز، سوف نحنِّط الجرح الذي يمتص روحك بالندى: بحليب ليل لا ينام؛ بزهرة الليمون، بالحجر المدمى؛ بالنشيد- نشيدنا؛ وبريشة مقلوعة من طائر الفينيق-” (422).

لا نقرأ في قصيدة “مأساة النرجس وملهاة الفضة” تحسراً وبكاء على المكان المفقود أو تغنيّاً بمجد كان، بل قفزاً عن الواقع المؤلم الى الحلم أو الرؤيا أو الذكرى للخروج من مأزق التاريخ:

لكنهم عادوا قوافل

أو رؤى،

أو فكرة،

أو ذاكرة” (425).

. . .

“وكأنهم عادوا

البحر يهبط عن أصابعهم وعن طرف السرير” (438).

ففي أداة التشبيه “كأنهم”، التي تفيد التوَّهُم، خروج من الواقع المهزوم وانتصار عليه بالحلم (الخيال) الذي من خلاله كانوا يعودون إلى بيوتهم، ويسمعون ثغاء ماعزها، ويتبادلون الهال، ويتذكرون أيام غربتهم، ويرقصون على الحقائب ساخرين من سيرة المنفى البعيد، ويتذكرون المنافي في التاريخ ويهزأون منه. كما نقرأ المستقبل والإصرار على الحضور في التاريخ والثقافة العالميين. وقد شحن درويش الكثير من الرموز التي تؤكد هذا الحضور (قدم الحرير، توراة كنعان، طريق رائحة البخور، غزالة الابد، سومر الخلود…) مما أوحى للبعض بأنه يقوم “بعرض عضلات معلوماتي ثقافي”. [8]

يتبنى درويش في هذه القصيدة مفهوماً آخر للعودة، فهي ليست “رداً على رحيل” و”لا مقايضة أيام أو جهات”، وهذا الفارق برأيه “صنعته الثورة. فبالثورة تُغيِّر لفظة العودة معناها الوراثي وتشحن نفسها إلى الأمام. تصير: ذهاباً إلى فلسطين المستقبل. لأن الانسان الذي تخلقه الثورة هو إنسان مُنجِز لا وارِث. لا يقيس مسافته بالمعنى الإقطاعي للتراب. وإنما يقيس إبداعه على هذا التراب.”

“عادوا إلى ما كان فيهم من منازل، واستعادوا

قدم الحرير على البحيرات المضيئة، واستعادوا

ما ضاع من قاموسهم: زيتون روما في مخيلة الجنود

توراة كنعان الدفينة تحت أنقاض الهياكل بين صور وأورشليم

وطريق رائحة البخور إلى قريش تهب من شام الورود

وغزالة الأبد التي زفت إلى النيل الشمالي الصعود

وإلى فحولة دجلة الوحشي وهو يزف سومر للخلود”, (428-429)

ولهؤلا العائدين قوة في ضعفهم. هم يتفوقون على أعدائهم المنتصرين بالمعرفة الأصيلة التي لا بد منها لصنع الحياة (الزراعة) التي يصغر أمامها التفوق الطارئ، الآلي، المتغيّر (خوذة الجندي). لذلك سيكون انتصارهم مجرد ملهاة عابرة.

 

“سوف نلقِّن الأعداء درساً في الزراعة وانبثاق الماء من حجر. . سنزرع فلفلاً في خوذة الجندي. . نزرع حنطة في كل منحدر لأن القمح أكبر من حدود الإمبراطورية الحمقاء في كل العصور” (441).

 

ولا يخفى لما في هذا الدور من معاني التفاخر والدلالة على الحضور الأصيل والباقي في التاريخ بقاء القمح بعد زوال الإمبراطوريات.

 

والعائدون، كما يريد لهم الشاعر، منصرفون للحياة. خبروا ما فيها من قيمة حقيقية تلاشى أمامها البعد الماورائي: “ما شأنهم إن كان اسماعيل أم إسحاق شاةً للإله؟” (423). وهم أيضاً حكماء، خبروا عمق التاريخ وعرفوا أن العدواة القائمة بين الشعبين، الفلسطيني واليهودي، مؤقتة. فهم أبناء تاريخ واحد. معاً حاربوا الشمال ومعا “رفعوا جسر العبور من الجحيم إلى انتصار الروح فيهم كلهم”. واللافِت أن الشاعر تغاضى، في هذا المشهد، عن الواقع والتاريخ، فقلَّص الصراع الى صراع ماورائي، وساوى بين الفلسطيني واليهودي-الإسرائيلي، في المسؤولية عن استمرار حالة العداء. والجدير بالذكر أن هذا الطرح، إذا أُخِذ بظاهره، لا يجافي الطرح المبدئي للقضية الفلسطينية فقط، بل كل ما قاله الشاعر سابقاً في هذه القصيدة وغيرها.

وحيث أنّ كتابات درويش السابقة واللاحقة لا تستقيم وهذه الأطروحة، وحيث أن الشاعر يقول رؤيته تلميحاً لا تصريحاً، فإن الرؤية التي يمكن استشفافها من وراء المعنى الظاهر، هي رؤية شمولية تستخف بالصغائر التي قام عليها العداء، وتهزأ به. فهو ليس أكثر من خلاف عبثيّ: “على مواعيد القيامة”. هي ترى البعد الكليّ للصورة. الأصل الواحد للشعبين، الجنوب (الجزيرة العربية)، مقابل الآخر المغاير، الشمال (أوروبا). وترى ماضيهما المشترك: ظُلْمُهما أمام التاريخ. فبمثل ما سُبِي وشُرِّد اليهود في التاريخ القديم، سُبي الفلسطينيون وشُرِّدوا على أيدي الغزاة من كلدانيين وأشوريين وفراعنة وغيرهم. وبمثل ما اضطُهِدوا ومورست عليهم محارق في الغرب الحديث، اضطُهِد الفلسطينيون ومورست علينا حروب استعمارية بالأيدي نفسها. بهذا كان:

“تاريخهم تاريخنا/ لولا الخلاف على مواعيد القيامة!” (432).

إنها رؤية الشاعر المتطورة التي بدأت ملامحها تظهر منذ ثمانينات القرن العشرين حين أخذ يقترب من “الإدراك الشعري للتجربة الإنسانية”، فيتدرج، من شاعر فلسطين، إلى شاعر الوجود. ومن شاعر الأرض والقضيّة، إلى شاعر الإنسان في يأسه ورجائه، في انتمائه ولاانتمائه.

قد يعجبك ايضا