*د. آمال مدللي
يأتي الاجتماع الأميركي – الصيني المنعقد في باليبإندونيسيا، على هامش قمة «مجموعة العشرين»،في وقت تمر فيه العلاقات المتوترة بين القوتينالكبيرتين بفترة حرجة للغاية. وفي حين يعمل البيتالأبيض على خفض سقف التوقعات من القمة، فإنإعادة ضبط مسار العلاقات فقط من شأنها خفضحدة التوتر بين البلدين، ومعاونتهما على إيجادطريقة لإدارة مصالحهما المختلفة والمتنافسة بطريقةتعاونية.
جدير بالذكر أن الولايات المتحدة استثنت لتوهاالصين باعتبارها «المنافس الوحيد الذي يملك كلاً منالنية لإعادة صياغة النظام الدولي، وكذلك – وعلىنحو متزايد – القوة الاقتصادية والدبلوماسيةوالعسكرية والفنية لتحقيق ذلك»، وذلك في إطاراستراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة. وطبقاًللاستراتيجية الجديدة، فإن الصين، وليس روسيا،هي من يمثل التحدي الرئيسي أمام الولاياتالمتحدة، وذلك في طريقها إلى أن «تصبح قوة رائدةعالمياً». أما روسيا، فقد تراجعت إلى مكانة قوة منالصف الثاني تحاول قلب «عناصر محورية منالنظام الدولي»، تبعاً لما ورد في تقرير الاستراتيجيةالأميركية.
اليوم، تتنافس واشنطن مع بكين التي تسعى بقوةأكبر لفرض وجودها داخل منطقة آسيا والمحيطالهادئ، وكذلك على الساحة العالمية. وتنظر واشنطنإلى هذا الاجتماع باعتباره اختباراً لما إذا كانالبلدان سيتمكنان من التعايش والتعاون معاً. علىهذه الخلفية، يلتقي الرئيس الأميركي جوزيف بايدن،الرئيس الصيني شي جينبينغ.
ويشارك كل من الرئيسين في الاجتماع، في حينيحمل كل منهما بداخله شعوراً بالتمكين والانتصار،ففي الوقت الذي يشعر فيه الرئيس بايدن بفخرالنجاح غير المتوقع لحزبه في انتخابات التجديدالنصفي لـ«الكونغرس»، يأتي الرئيس شي متوجاًبقدر هائل من الثقة بعد المؤتمر العشرين لـ«الحزبالشيوعي» الذي عيّنه زعيماً دونما منازع لفترة ولايةثالثة.
ويشارك الرئيس بايدن في الاجتماع مسلحاً بدعممن الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري» لسياستهتجاه الصين، في الوقت الذي ينظر فيه الجمهورالأميركي الآن بأغلبية ساحقة (80 في المائة) للصينعلى نحو سلبي، مقارنة بـ40 في المائة منذ 10 سنوات ماضية.
وتأتي القمة كذلك في أعقاب سلسلة من التصريحاتالمؤيدة لتايوان من جانب الرئيس بايدن أغضبتالصينيين، خاصة عندما قال إن «الولايات المتحدةستدافع عن تايوان إذا تعرضت لهجوم من الصين». أما الرئيس الصيني، فقد حذر في مكالمة هاتفية معالرئيس بايدن، هذا العام، من أن «من يلعب بالنارسيهلك بها»، بحسب بيان وزارة الخارجية الصينية.
بعد ذلك، تراجع مسؤولون أميركيون عن تصريحالرئيس بايدن، قائلين إنه لا يمثل تغييراً في السياسةالخارجية للولايات المتحدة تجاه الصين، إلا أن زيارةرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، لتايوانصبت مزيداً من الزيت على النار. وجدير بالذكر أنتايوان تُعد أكثر القضايا إثارة للجدل والتوتر فيالعلاقات بين البلدين، ومن شأن الطريقة التيسيجري التعامل بها مع قضية تايوان أن تجعل القمةتنجح أو تنهار.
من ناحيتهم، يعتبر المسؤولون الأميركيونالاصطفاف الصيني مع الرئيس الروسي فلاديميربوتين، وإقامة علاقات «دونما حدود» معه، نقطة توترأخرى بين الجانبين تتناولها هذه القمة.
ومع ذلك، تظل هناك نقاط التقاء بينهما، على رأسهاالحاجة إلى رؤية نهاية للحرب في أوكرانيا، والتعاونبخصوص عدد من القضايا العالمية. إضافةً إلىذلك، ترغب الولايات المتحدة في إنشاء «قنواتاتصال بين المؤسستين العسكريتين بالبلدين لتجنبوقوع حوادث أو سوء تقدير أو تصعيد»، لتجنب«السقوط في هوة صراع»، كما قال مستشار الأمنالقومي الأميركي جيك سوليفان.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الزعيمين الأميركيوالصيني يعرفان بعضهما منذ عام 2011، الأمرالذي يعزز الأمل في تمهيد الطريق نحو الخروجبنتيجة إيجابية من الاجتماع.
وفيما يتعلق بالرئيس بايدن، فإنه يفخر بمعرفتهالجيدة بالرئيس شي بعد أن قضى «عشراتالساعات في مقابلته»، وسافر «كثيراً من الأميالمعه» عندما كان الاثنان في منصب نائب الرئيسعام 2011، مثلما أخبر الصحافة، إلا أن ذلك كانوقتاً مختلفاً؛ فالرجلان مختلفان اليوم، والصين اليومليست مثل عام 2011. وينطبق الشيء نفسه علىالنظام الدولي الذي يتحدث عنه الرئيس بايدن فياستراتيجيته؛ ذلك أن النظام الدولي اليوم يتأكل،وتجري إعادة إنشائه يومياً أمام أعيننا، داخلمناطق الصراع، ومع القوى والأسواق الناشئة، لكنشكل النظام الجديد لا يزال بعيداً عن التبلور.
عام 2011، كانت الولايات المتحدة ما زالت تنتهجسياسة معاونة الصين على الاندماج في الاقتصادالعالمي، بناءً على الاعتقاد بأن الازدهار الاقتصادييؤدي إلى الانفتاح السياسي وتخفيف القبضةالأمنية.
اليوم، ترى الولايات المتحدة في الصين المنافسالأول، وتعكف على بناء تحالفات حول العالم لمواجهةالنفوذ الصيني.
وتتعارض الصين مع المبدأ التنظيمي الأول الذي يقرهالرئيس بايدن في سياسته الخارجية التي ترىالعالم محاصراً داخل معركة بين الديمقراطيةوالاستبداد. ويرى الرئيس الأميركي المنافسة معالصين والرئيس شي من خلال هذا المنظور، خاصةبعدما استغل الرئيس الصيني مكالمة هاتفية أجراهامع نظيره الأميركي لتحذيره من أن «الأنظمةالاستبدادية ستتولى إدارة العالم»، مثلما قالالرئيس للطلاب المتخرجين في الأكاديمية البحريةالأميركية، هذا العام.
الجديد منذ عام 2011، هو الثقة الجديدة التيتستعرضها الصين في مختلف أنحاء العالم. ففيمنطقة الخليج العربي، صارت الصين تتمتعبمشاركة وعلاقات اقتصادية وسياسية أوثق وأعمقمما كانت عليه قبل عقد من الزمان. وقد تحولت إلىأكبر شريك تجاري مع بعض بلدان المنطقة. ويمثلالنفط والتجارة ركيزتي المصالح الصينية الرئيسيةفي المنطقة، حيث ترى الصين المنطقة بوابتها إلىالعديد من أنحاء العالم. كما أنشأت الصين أولىقواعدها العسكرية الخارجية في جيبوتي، الأمرالذي منحها موطئ قدم على ممر بحري استراتيجيلا غنى عنه للتجارة الدولية. ويشير الخبراء الصينيونإلى رؤية الصين للشراكة في المنطقة على أساسعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبلدانها.
وفى أفريقيا، تتعاون الصين بصورة واسعة وعميقةمع غالبية البلدان الأفريقية في أغلب المجالات، بيدأن التمويل، والتنمية، والبنية التحتية، قد تصدرتقائمة مجالات الشراكة. كما بلغ مجموعالاستثمارات الصينية في أفريقيا منذ عام 2005 نحو تريليوني دولار، وفقاً لمعهد «أميركان إنتربرايز».
كما تتولى الصين تمويل وتطوير مشروعات ضخمةبمجال البنية التحتية (3000 مشروع، و86 ملياردولار في هيئة قروض تجارية للحكومات الأفريقية،بحسب «مشروع إيد داتا»)، في مختلف أنحاءالقارة، مستعينة في ذلك بعشرات الموانئ، وآلافالأميال من الطرق والجسور وساحات رياضية.
يُذكر أن حجم التجارة بين الصين وأفريقيا ضخمللغاية، بل تفوق على التجارة الصينية مع الولاياتالمتحدة؛ إذ بلغ 200 مليار دولار في 2019 وفقاًلمجلة «إيكونوميست». كما أن صادرات الأسلحةالصينية إلى أفريقيا آخذة في التزايد. ووفقاً لبعضالتقارير، بلغت هذه الصادرات نسبة 19 في المائةإلى دول جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية عام2019.
وصرح لاندري سينيغ، من معهد «بروكينغز»، خلالجلسة استماع أمام «الكونغرس»، بأنه في «الفترةما بين عامي 2006 و2016، ارتفعت تجارة الصينمع أفريقيا، مع زيادة في الواردات بنسبة 233 فيالمائة، وزيادة الصادرات بنسبة 53 في المائة»، فيحين تراجعت صادرات الولايات المتحدة إلى أفريقياخلال نفس الفترة.
كما أوضح تقرير آخر، صادر عن معهد «بروكينغز»،أن حجم تجارة الولايات المتحدة مع أفريقيا، «قدانخفض من مستوى مرتفع بلغ 100 مليار دولار عام2008 إلى 39 مليار دولار فقط عام 2017».
ونجمت مكاسب سياسية جمة عن الاستثمارالصيني الهائل في أفريقيا؛ إذ تدعم أفريقيا الصينفي المنظمات المتعددة الأطراف، لا سيما منظمةالأمم المتحدة. وعادة ما يكون التصويت الأفريقيالمتقدم (سياسة رأس الحربة) في الجمعية العامةللأمم المتحدة، هو أسلوب التصويت الأفريقي المتبعبشأن مسألة ما. وهذا من شأنه تحدي موقفالولايات المتحدة في بعض الأحيان.
ولقد حدث كل ذلك في وقت كانت فيه الولايات المتحدةقد قلصت من مشاركتها الفاعلة في القارة الأفريقية.
الآن، تحاول الإدارة الأميركية اللحاق بالركب؛ إذ دعاالرئيس بايدن الزعماء الأفارقة إلى قمة في العاصمةواشنطن في الفترة من 13 إلى 15 ديسمبر (كانونالأول)؛ «بُغية الإعراب عن التزام الولايات المتحدةالدائم تجاه أفريقيا»، كما ورد في بيان صادر منالبيت الأبيض.
وصرح مسؤولون أميركيون بأن القمة لا تهدف إلىموازنة التدخلات الصينية في القارة، وبأن الولاياتالمتحدة لا تطلب من شركائها الأفارقة الاختيار مابين القوتين، رغم قولهم إن «الولايات المتحدة تطرحنموذجاً أفضل».
كذلك، يتنامى النفوذ الاقتصادي والسياسيالصيني في جنوب شرقي آسيا. وهناك، تحاولالولايات المتحدة أيضاً اللحاق بالركب. وتتجاوزالصين الولايات المتحدة في بلدان جنوب شرقي آسيابخطوات واضحة؛ إذ خلص المستجيبون لدراسةاستقصائية أجراها «مركز الدراسات الاستراتيجيةوالدولية»، إلى أن الصين تحتل مكانة متقدمة علىمستوى تصورات الناس والرأي العام هناك،باعتبارها قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة. وأفادتالدراسة الاستقصائية المذكورة بأن المنطقة تعتقد أنميزان القوة النسبي يتغير، مع انخفاض ملحوظ فينفوذ الولايات المتحدة.
هذه ليست إلا أمثلة قليلة على المناخ العام الذييجتمع في ظله الرئيس بايدن والرئيس شي؛فالولايات المتحدة تواصل بناء التحالفات، وصياغةالأولويات، ودعم شراكاتها ووجودها في المنطقة؛ بُغيةمواجهة ما تسميه الولايات المتحدة الدفعة العدوانيةالصينية، ليس فقط في جنوب آسيا، بل في منطقةالمحيطين الهادئ والهندي. ومن خلال الحوار الأمنيالرباعي (الحوار الاستراتيجي الذي يضم الولاياتالمتحدة، واليابان، وأستراليا، والهند)، تُحاول الولاياتالمتحدة إعادة تنضيد التوازن، والتركيز على المنطقةالاستراتيجية.
ويحث مجتمع السياسة الخارجية في واشنطنالإدارة الأميركية على عدم اتخاذ الصين عدواً قائماً،ويعتقدون أن الصين، على النقيض من روسيا، معنيةبتحويل النظام الدولي لخدمة مصالحها، وليسلتدميره.
وصرح هنري كيسنجر، مهندس السياسة الخارجيةالأميركية إزاء الصين، أمام اجتماع «جمعية آسيا»في نيويورك، بأنه يعتقد أن التوترات ربما بدأت تهدأبين البلدين، بالنظر إلى التصريحات المتبادلةالصادرة عن الجانبين.
وبعد شراكة «بلا حدود» مع روسيا، قال كيسنجر: «يرغب شي في تفادي رؤية جدار الممانعة الغربيضد الصين يتطور، على نحو يُماثل ما يجري راهناًمع روسيا».
وتنبأ بأن «الساحة مهيأة للرئيس شي لكي يميل،وإنما بشيء من التواضع، نحو الولايات المتحدة بعدالمؤتمر العشرين لـ(الحزب الشيوعي الصيني)».
الواقع، أن القمة بين الرئيسين الأميركي والصينيتُشكل فرصة عظيمة لكلا الجانبين للانزلاق هبوطاً منأعلى شجرة التصعيد، وإعادة ضبط العلاقات نحومسارها الصحيح. وإننا لنرجو أن يكون كيسنجرمُصيباً مرة أخرى عندما يتعلق الأمر بالصين.
* مستشارة في الشؤون الدولية – واشنطن… ومندوبة لبنان السابقة لدى الأمم المتحدة