قراءة في قصيدة «مأساة النرجس وملهاة الفضة» لمحمود درويش/1

بقلم نجمة خليل حبيب

من المعلوم أنّ هذه القصيدة[1] قيلت احتفاء بانتفاضة الحجارة عام [2]1987 التي تُعتَبر عودة للثورة بعد أن غُيِّبَتْ عام 1982 إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان، إلا أن كثافة الصور التي تحيل إلى موضوع العودة، جعلت البعض يعتقد أنها كتبت احتفاء بالعائدين إلى غزة والضفة الغربية إثر قيام عملية السلام. وسواء كان العائد هو الشخص أو الحدث، يبقى لطقوس العودة حيز واسع ورؤية شمولية مميزة. وعلى عادة درويش، فهو يبتدئ موضوعه بالعادي ويتصنع الصوت الخفيض ليقول رؤيته المتوهجة.

تبدأ القصيدة بوصف حال العائدين، فهم ليسوا أبطالاً ولا منقذين. ولم يأتوا على دق الدفوف والصنوج. لم يعودوا مملوئين بالفرح كما هي الحال في عودة المنفي الذي انتصر على منفاه بل عادوا من الاستثناء الطارئ، (أساطير الدفاع عن القلاع) إلى الأصل المقيم.(البسيط من الكلام والاحتفاء بماء الوجود) [3]

“عادوا. . .

من آخر النفق الطويل إلى مراياهم. . وعادوا

حين استعادوا ملح إخوتهم، فرادى أو جماعات، وعادوا

. . .

من أساطير الدفاع عن القلاع إلى البسيط من الكلام

عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم، ويرتبوا هذا الهواء

ويزوجوا أبناءهم لبناتهم….

ويعلقوا بسقوفهم بصلاً، وبامية، وثوماً للشتاء

. . .

عادوا على أطراف هاجسهم إلى جغرافيا السحر الإلهي”. (419)

يشحن درويش تحت هذه اللغة التي رأى فيها بعضهم فنية متواضعة معاني النصر والبطولة والفخر. مرّة عن طريق المفردة وأخرى بواسطة الصورة الشعرية المركبة. لقد عمل التكرار المكثّف للفظة “عادوا”، والإتيان بها بصيغة الماضي الذي يفيد وصول الحدث إلى تمامه، على إيصال فكرة بسيطة في ظاهرها عميقة في مدلولاتها. فالعائدون البسطاء يكتنزون خصائص الشعب الأصيلة: ابن الأرض اللصيق بها، المعتز بعطائها يعرضه كالتحف الثمينة في أعالي البيوت. ابن الحياة المُصِّر على استمراريتها بتزويج البنين للبنات. المحاذر الذي ملأته الخيبات المتكررة بالقلق والتوتر فعاد على “أطراف هاجسه”. والشاعر هنا لم يذهب في فكرته الى منتهاها بل لامسها لمسة خفيفة مواربة، وغيبها بتغييب أحد أطراف التشبيه (أطراف الأصابع)، وأخفى معاني القلق والحيرة والمحاذرة تحت لفظة “هواجس”، فبدت الفكرة في غيابها أكثر حضوراً والتعبير أشد إدهاشاً.

نسب أكثر من ناقد قصيدة “مأساة النرجس وملهاة الفضة” إلى جنس الغنائية الملحمية. منهم عبده وازن الذي يعتبرها قصيدة الانتفاضة بحق، تغنّيها دون أن تسميها، وتتغنى بالحجر من دون أن تدل عليه. وفائز العراقي الذي اعتبر تعدد الأصوات وتنوعها، والحركة الصراعية داخلها، ذا طابع درامي ملحمي مُمتزج “بالغنائية العذبة التي عرف بها درويش في كامل تجربته الشعرية”. وأكده درويش بقوله: “أتمسك بغنائية تطل على تخوم الغنائية الملحمية” [4]. وإن كان الفخر والتغني بالبطولات من أبواب هذا الجنس الرئيسية، فإن درويش حقق ملحمية قصيدته بغير هذه الصفات، ولم يأت على ذكرها إلا مواربة. فالفعل فيها صامت، والبطولة الحقيقية للأرض التي اكتفت من أدوار المقاومة بالإصرار على الحضور، والاستمرار في القيام بدورها الطبيعي دونما صخب ولا ادعاء. فهي رغم كل ما تعرضت له من انتهاكات على أيدي أعتى الغزاة من هكسوس وتتار، ورغم المنجنيق وعنف الخيول والرماح، ظلت تمارس طقوسها المعتادة، وظل عنفوان الحياة فيها قادراً على إنبات الزهرة من قلب الصخر. لم تغير وجهاً من وجوهها: بحرها وجبلها وأريج نباتها ظلت على حالها. كما أن درويش أعاد إلى الارض طفولتها، علاقتها الفطرية التي كانت قائمة بينها وبين ناسها قبل أن تطرأ على الجنس البشري شهوة التملك، عندما كان الإنسان واحداً من مخلوقاتها خاضعاً لنواميسها. ثم أن درويش يكسر فجأة نمطية السرد بالانتقال من الإخبار الى التساؤل المسْتَهْجَن (كم مرة ستكون رحلتنا البداية؟)، لِيُذكِّر بمأساة الفلسطيني/ة الذي يصّر، على عادة البطل المأساوي، على المواجهة وهو يعلم أنّه محكوم بالخسارة: “[كانوا]. . .يٌطيّرون حمائم الذكرى إلى أبراجها الأولى، ويصطادون من شهدائهم نجماً يسيِّرهم إلى وحش الطفولة. كلما قالوا: وصلنا. . . خرّ أولهم على قوس البداية. أيها البطل ابتعد عنا لنمشي فيك نحو نهاية أخرى. فتباً للبداية (421-422).

قد يعجبك ايضا