الفنون الشعرية في حضرة الصعاليك

 

د . صباح ايليا القس

 

ليس بجديد ان نقول ان الصعاليك شكلوا ظاهرة شعرية في العصر الجاهلي وليس بجديد ان نقول انهم نتاج المجتمع الجاهلي المتزمت في عاداته وتقاليده اذ انهم خرقوا القواعد المألوفة في قبائلهم واسباب ذلك متعددة , منها القيود الصارمة في نظام القبيلة ومنها ربما الجوع والحاجة وربما النقمة وقد يكون الحب المحرّم بين الاسياد والعبيد او الفارق الطبقي وربما خلل في سلسلة النسب وهكذا قد يجد الباحث اسبابا اخرى .

عند مثل هذه الحالات تلجأ القبيلة الى طرد مثل هؤلاء وعند طردهم فان القبائل الاخرى لا تستقبلهم ايضا فيخرجون الى المناطق المنقطعة باحثين عن المأوى , وهؤلاء لم تكن امامهم من وسائل العيش سوى الغارات والسرقة والقتل لا سيما ان اغلبهم من المعروفين بالقوة والشجاعة والقسوة لانتزاع ما يعينهم على العيش في ببيئة خالية صحراوية قاسية مع قلة الموارد فيها حيث لا ماء ولا شجر مما يؤمن مساحة للصيد .

تأخذ الغارات بوصفها وسيلة عيشهم مساحة جيدة من عموم شعر الصعاليك وهذه الغارات قد تكون بصيغة مجموعة او احيانا بشكل فردي عند تعذر اجتماعهم واذا وجد هذا الصعلوك في نفسه القدرة على الاقتحام والمجابهة اذا رأى في الآخرين الضعف وقلة العدد ومن المهم ان نعرف ان لدى الناس الرهبة والرعب من الصعاليك نظرا لبشاعة افعالهم .

يقال ان تأبط شرا كان ضعيفا هزيلا سريعا ولم يكن يملأ العين كما يقال , وعندما سألوه عن كيفية قدرته على هزيمة الشجعان الابطال فقال ليس سوى ان اقول لهم انا ( تأبط شرا ) حتى يدخل الرعب في نفوسهم وأتمكن منهم .. هذا الكلام يدل على انهم كانوا قساة القلوب لا سيما عند التمثيل بجثث قتلاهم بعد سلبهم .

يقول الشنفري في هجوم المجموعة :

فشــنَّ عليهــــــم هـَـــزةَ السيــــفِ ثابـــتٌ          وصمَّـــمَ فيهـــــــم بالحســـــامِ المُسيّـــبُ

هنا نجد ان المجموعة اشتملت على القائد ( الشنفري ) ومن المقاتلين ثابت الذي هو ( تأبط شرّاً ) والمسيّب الذي هو المسيب بن علس .

وكما رأينا الاندفاع نجد في الجانب الآخر الهروب على طريقة الكر والفر ولا سيما عندما يجدون من يقاومهم بكثرة العدة والعدد :

وخشيــــت وقـــع ضريبــــة      قــد جربـــت كـــل التجـــاربْ

فأكــــون صــيدهــم بهــــــا      وأصيـــر للضبـــع السواغــــبْ

فالخشية هي الخوف والتحسب من ان يكون صيدهم ليصير طعاما للضباع الجياع .

ومن المعروف انهم كانوا من المعروفين بسرعة العدو حتى قيل انهم يسابقون الفرس لان الركض السريع ينجيهم من الموت كقول ابي خراش :

ورفعـــت ســــاقا لا يخــــاف عثارهــــا       وطرحــــت عنــــــي بالعـــراء ثيابـــــي

هرب ابو خراش حتى انه ترك ثيابه وفرّ عاريا .

وفي غارة اخرى يترك ابو خراش نعله ويهرب حافيا يقول :

ونعــــلٍ كأشــــلاء السمانـــي نبذتهــــا      خـــلاف نـــــدى مـــن آخــر الليــل أورِهــمْ

يمكن الافادة من هذا البيت في أمرين الاول انه نبذ حذاءه لانه وجد فيه ما يعيق الحركة ويقلل السرعة لكن شيء المهم هو ما تدل عليه كلمة آخر الليل ومعنى ذلك ان اغلب غاراتهم تكون في آخر الليل والناس مستغرقون في نومهم وغافلون او مطمئنون لانقضاء الليل من دون مباغتة لكنهم لم يكونوا يعلمون بمن يترصد مثل هذه الاوقات للهجوم واقتناص الفرص في القتل والسلب والنهب كما فعل الشنفري .

قلت انهم يدعون قدرتهم على مسابقة الخيل وأرى في هذا مبالغة تضاف الى مبالغاتهم لارهاب العدو يقول تأبط شرا واصفا نفسه :

يفــــــوت الجيــــاد بتقريبـــــه      ويكســـو هواديهـــا القسطـــــــلا

التقريب = الركض والقسطل = الغبار .

قد يعجبك ايضا