إسماعيل حسين الباوي… شاعر الصحافة والمنبر

محمد علي محيي الدين

يعد إسماعيل حسين الباوي، المعروف في الأوساط الأدبية باسم إسماعيل حقي خمّاس (1919–1994)، واحداً من الأصوات الشعرية التي عاشت بعيداً عن الأضواء، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة الصحافة العراقية والمنابر الدينية والأوساط الأدبية. فقد جمع في شخصيته بين الشاعر والصحفي والمعلم ورجل الدين، فكانت حياته سلسلة من التجارب المتنوعة التي انعكست على شعره ولغته ومواقفه، وجعلت منه نموذجاً للمثقف الذي ارتبط بالمجتمع أكثر من ارتباطه بالشهرة.
وُلد إسماعيل بن حسين بن عيدي الباوي سنة 1919 في ناحية السعدية التابعة للواء ديالى، غير أن ظروفاً عائلية استثنائية رافقت طفولته؛ إذ اضطر والده إلى الفرار بعد ارتكابه جريمة قتل، فتولى تربيته قريبه خماس بن رزوقي، الذي ارتبط به الصبي ارتباطاً وثيقاً حتى عُرف باسمه واشتهر بلقب «إسماعيل حقي خمّاس». ولم يلتق بوالده إلا في سنواته الأخيرة بعد عودته، وهي تجربة إنسانية تركت بصمتها على تكوينه النفسي وشخصيته.
انتقل إلى بغداد وهو في مقتبل العمر، وهناك بدأ رحلته مع العلم، فالتحق بمدرسة البارودية في سن متأخرة، ثم ترك الدراسة النظامية في المرحلة المتوسطة ليتجه إلى المدرسة العلمية الدينية، حيث وجد ضالته في دراسة علوم العربية والفقه والبلاغة. وكان من أبرز أساتذته العلامة قاسم القيسي، الذي لازمه سنوات طويلة، وظل وفياً له حتى وفاته، الأمر الذي أسهم في صقل أدواته اللغوية والأدبية ومنحه ثقافة دينية ولغوية متينة.
وبعد أن أكمل دراسته الدينية سنة 1944، عُيّن إماماً وخطيباً في جامع الخفافين ببغداد، فجمع بين رسالة المنبر ورسالة الأدب، ثم انتقل إلى العمل في ديوان الأوقاف، قبل أن يخوض تجربة التعليم، إذ عُيّن معلماً في المدارس الابتدائية سنة 1960، وتنقل بين الرمادي والعمارة ثم عاد إلى بغداد، حيث استمر في أداء رسالته التربوية حتى إحالته إلى التقاعد.
إلى جانب عمله الديني والتعليمي، وجد إسماعيل الباوي في الصحافة مجالاً رحباً للتعبير عن أفكاره، فعمل محرراً ومراسلاً ومصححاً لغوياً في عدد من الصحف والمجلات العراقية، وظل ملازماً لهذا العمل حتى أواخر حياته. وقد أكسبته الصحافة خبرة واسعة في اللغة والأسلوب، وجعلته قريباً من الحركة الثقافية العراقية، مشاركاً في صناعة المشهد الأدبي من وراء صفحات الجرائد بقدر مشاركته فيه من خلال قصائده.
أما شعره، فقد توزع على موضوعات الحياة المختلفة، فكتب في الغزل والرثاء والتأمل والمداعبة، ولم ينعزل عن هموم المجتمع وقضاياه. وتميزت قصائده بسهولة العبارة وسلاسة الأسلوب، مع ميل واضح إلى اللغة القريبة من القارئ، بعيداً عن التعقيد اللفظي أو التكلف البلاغي. وقد وصف معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين شعره بأنه ذو هدف اجتماعي واضح، وأن قوافيه طيعة وألفاظه ميسورة، وهي سمات جعلت شعره قريباً من الذائقة العامة، وإن لم يكن من شعراء الجزالة الكلاسيكية الصارمة.
ورغم كثرة ما كتب، لم يصدر في حياته ديوان مطبوع، بل بقيت قصائده محفوظة بخطه في مجموعة مخطوطة احتفظ بها نجله محمد إسماعيل، وهو ما يحرم الدارسين من الاطلاع الكامل على تجربته الشعرية، ويجعل الحاجة قائمة إلى تحقيق هذا التراث وإخراجه إلى النور، بوصفه جزءاً من الذاكرة الأدبية العراقية في القرن العشرين.
توفي إسماعيل حسين الباوي في بغداد سنة 1994، بعد حياة امتدت بين المحراب والمدرسة وصالات التحرير، تاركاً خلفه سيرة تعكس صورة المثقف العراقي الذي لم يتخذ الأدب وسيلة للوجاهة، بل جعله امتداداً لرسالته في التعليم والإصلاح وخدمة المجتمع. وقد بقي اسمه حاضراً في كتب التراجم، بوصفه شاعراً وصحفياً ومربياً أسهم، بصمت وإخلاص، في إثراء الثقافة العراقية.
وقد استندت هذه السيرة إلى ما أورده معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ومعجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002 لكامل سلمان الجبوري، ومعجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة لإميل يعقوب، وهي مصادر رسمت ملامح حياته الأدبية والوظيفية، وأبرزت مكانته بين شعراء العراق في القرن العشرين.

قد يعجبك ايضا