جروح الذاكرة الحية: أبناء الأنفال في صقيع آب 1988

زنون سليفاني ـ زاخو

التاريخ ليس مجرد صفحات مطوية في خزائن الزمن المنسي، بل هو دم يجري في عروق الحاضر، وذاكرة تنبض بالوجع والأمل معاً. وحين يُذكر شهر آب (أغسطس)، ترتجف أوتار الوجدان الكردي على وقع مآسٍ جسيمة تركت ندوباً غائرة في الجسد والروح.

ففي صيف عام 1988، لم تكن حرارة الشمس وحدها ما يلسع وجوه الآمنين في قرى ووديان كردستان، بل كانت نيران آلة القمع والدمار التي أدارها النظام الشمولي البائد خلال حملات الأنفال الدموية، وصولاً إلى الفصول الأخيرة من تلك المأساة، حيث تجلت أبشع صور الإبادة الجماعية.

لم تكن عمليات الأنفال مجرد عمليات عسكرية تقليدية، بل كانت استراتيجية ممنهجة ومخططة بعناية لاستئصال جذور شعب بأكمله، وتدمير مقومات حياته، ومحو حضوره من خريطة الوجود الإنساني والجغرافي. طالت تلك الحملات البشر والشجر والحجر؛ فقُرىً كاملة سُويت بالتراب، وبساتين أُحرقت، ومياه سُممت، وعائلات بأكملها أُبيدت ودُفنت في مقابر جماعية مجهولة في صحارى الجنوب القاحلة، من دون أن تنجو منها طفولة أو شيخوخة، ولا أن يسلم منها رضيع أو شيخ طاعن في السن.

إن استحضار فصول الإبادة والأنفال في شهر آب يعيد إلى الأذهان قسوة الفقد وفجيعة الغياب. فقد استهدفت تلك الجرائم الهوية الإنسانية والثقافية لشعب بأكمله، في محاولة لكسر إرادته ومحو ذاكرته، وهو شعب لم يعرف عبر تاريخه سوى حب الحياة والتشبث بالأرض.

ورغم هول الكارثة وعمق الجرح، أثبت الإنسان الكردي أن الذاكرة أقوى من النسيان، وأن إرادة البقاء تعلو دائماً على أصوات الموت والدمار. فما حاولت آلة القمع أن تدفنه في التراب، بقي حياً في الذاكرة، وما أراد الجلاد محوه من صفحات التاريخ، أصبح شاهداً على فظاعة الجريمة وعلى صمود الضحية.

اليوم، وأمام ضريح التاريخ وشهداء الحقيقة، تقع علينا جميعاً مسؤولية أخلاقية وتاريخية كبرى. فلا يكفي أن نحيي الذكرى بالدموع والبيانات الموسمية، بل ينبغي أن تتحول هذه المحطات المؤلمة إلى منارات للوعي الإنساني، ومنطلقاً لتوثيق كل تفصيل من تفاصيل تلك المعاناة، لكي تبقى شاهدة أمام الأجيال القادمة على وحشية الاستبداد، وعلى الثمن الباهظ الذي دفعه الأبرياء دفاعاً عن حقهم في الحياة والكرامة.

كما أن الاعتراف الدولي الرسمي بجرائم الأنفال بوصفها إبادة جماعية (جينوسايد) يمثل خطوة أساسية في طريق إنصاف الضحايا، وترسيخ العدالة، وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي في أي مكان من العالم.

إن دماء شهداء الأنفال، وتضحيات الأمهات الثكالى اللواتي حملن أثقال الفقد بصبر يشبه صبر جبال كردستان، تظل تذكاراً حياً بأن الحرية والكرامة هما أغلى ما يملكه الإنسان.

فلنحفظ هذه الذاكرة نقية، ولنجهر بصوت العدالة، ولنجعل من آلام الماضي طاقةً للبناء والسلام، وفاءً لمن روت دماؤهم الطاهرة تراب هذا الوطن، وعهداً بأن تبقى الحقيقة حاضرة، مهما حاول النسيان أن يطوي صفحاتها.

قد يعجبك ايضا