من جدارية المصرف العقاري إلى عتمة الإعدام..

نبيل عبد الأمير الربيعي

في تاريخ الفن العراقي، ثمّة أسماء لا تكتفي بأن تترك أثراً في التشكيل، بل تتحول أعمالها وسيرتها إلى جزء من الذاكرة الوطنية؛ ذاكرة تتجاور فيها لحظات الجمال مع فواجع القمع، ويغدو الفن فيها شاهداً على زمن لم يكن رحيماً بمبدعيه. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان (عبد الحميد راجي محمود الزبيدي)، الذي وُلد في منطقة الأضرملي، أو الأزرملي، في العلاوي وسط بغداد عام 1933، وحمل منذ بداياته شغفاً خاصاً بالطين والنحت والسيراميك، قبل أن يحول هذه المواد إلى لغة فنية تنطق بذاكرة العراق.
أكمل الزبيدي دراسته في الإعدادية المركزية للبنين عام 1957، ثم التحق بكلية الفنون الجميلة، وتخصص في السيراميك الصناعي وتكنولوجيا تصنيع الفرفوري، متسلحاً بالمعرفة الأكاديمية التي ستمنحه لاحقاً مكانة متميزة في المشهد التشكيلي العراقي. ولم تكن تجربته بمعزل عن المناخ الفني الذي شهدته بغداد في تلك المرحلة؛ فقد تأثر بتجارب الرواد، وفي مقدمتهم جواد سليم وفائق حسن، كما أفاد من رؤى المعماري الكبير هشام منير، مدير قسم الهندسة المعمارية في كلية الهندسة.
كان ذلك الزمن أحد أكثر المراحل خصوبة في تاريخ الفن العراقي؛ فقد كانت العمارة والفنون التشكيلية تبحثان عن هوية عراقية حديثة، تستلهم الموروث دون أن تقع في أسر الماضي. وفي هذا المناخ وجد الزبيدي موقعه الطبيعي عند تخوم النحت والسيراميك والعمارة، فصار الطين في يديه مادةً تتجاوز وظيفتها المادية لتتحول إلى ذاكرة وشكل وإيحاء.
وفي عام 1961 جاءت واحدة من أهم محطات تجربته، حين شارك الأستاذ جواد سليم في إنجاز جدارية البنك المركزي العراقي. ولم تكن المشاركة مجرد محطة مهنية في حياة فنان شاب، بل كانت شهادة مبكرة على قدرته ومكانته في مشروع فني عراقي كان يتطلع إلى بناء لغة بصرية جديدة، تتناغم فيها الفكرة مع المادة، والفن مع العمارة.
لكن العراق الذي كان يفتح نوافذه آنذاك على الحداثة، سرعان ما أغلق بعضها أمام أبنائه. ففي عام 1963 اعتقل عبد الحميد راجي الزبيدي لاتهامه بالشيوعية، وقضى عدة أشهر خلف القضبان. وحين خرج من المعتقل، اختار المنفى طريقاً، فارتحل إلى تشيكوسلوفاكيا، ثم إلى براغ، حيث درس اللغة التشيكية، قبل أن يعود إلى العراق عام 1969 مدرساً في كلية الفنون الجميلة.
لم يكن المنفى بالنسبة إليه قطيعة مع الوطن، بل بدا أشبه بمسافة اضطرارية أعاد منها ترتيب علاقته بالمعرفة والفن. وفي عام 1972 عاد إلى براغ، ليواصل دراسته ويحصل على الدكتوراه عام 1976، ثم رجع إلى بغداد مدرساً في كلية الفنون الجميلة، مواصلاً دوره الأكاديمي والفني. كما حاضر لطلبة كلية الهندسة، قسم الهندسة المعمارية، في مادة (تطبيق نظريات عمارة وفن) داخل كلية الفنون الجميلة، وذلك بناءً على طلب المعماري الدكتور موفق جواد الطائي، ولمدة عامين.
وكان الزبيدي، بذلك، يتحرك بين أكثر من فضاء معرفي: الفنان الذي يتعامل مع المادة، والأستاذ الذي ينقل المعرفة، والباحث الذي يربط الفن بالعمارة، والمثقف الذي يرى في الإبداع جزءاً من مشروع أوسع لبناء الإنسان والمكان.

ومن الشواهد التي بقيت على تجربته الفنية جدارية المصرف العقاري في كرادة مريم التي أنجزها مع الفنان شمس الدين فارس، فضلاً عن مشاركته في جدارية البنك المركزي العراقي مع جواد سليم، وما ارتبط بمشروع جدارية دار الضيافة، التي أصبحت تُعرف لاحقاً بقصر السلام، وهي من تصميم المعماري هشام منير، ونفذها الأستاذ سعد شاكر والدكتور محمد عريبي.
غير أن هذه الأعمال، التي كان يفترض أن تكون جسوراً إلى المستقبل، لم تستطع أن تحمي أصحابها من آلة القمع السياسي.
في 22 أيلول 1980، اعتقل جهاز المخابرات الفنان عبد الحميد راجي الزبيدي وزميله الفنان شمس الدين فارس داخل كلية الفنون الجميلة، بتهمة وُصفت آنذاك بـ(سب السلطة العليا). ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره عن عائلته، ولم يبق من حضوره في الكلية سوى مفاتيح عجلته، التي ائتمن عليها عميد الكلية الأستاذ أسعد عبد الرزاق.
وقد تحولت تلك المفاتيح الصغيرة إلى واحدة من أكثر التفاصيل إيلاماً في ذاكرة العائلة؛ فحين سأل شقيقه كمال راجي عنه، جاءه الجواب الذي تختصر كلماته مأساة سنوات كاملة:
(إجوا عليه المخابرات وأخذوه هو وشمس الدين).
لم تكن المفاتيح يومها مجرد قطعة معدنية؛ كانت آخر أثر مادي لرجل خرج من مكان عمله ولم يعد. مفاتيح بقيت، بينما غاب صاحبها خلف أبواب لا تُفتح.
وفي 7 أيار 1983، أُعدم عبد الحميد راجي الزبيدي وزميله الفنان شمس الدين فارس، لتطوى صفحة حياة فنان لم يكن ذنبه سوى أن الفن لم يكن بالنسبة إليه زينةً للحياة، بل موقفاً منها، وأن الانتماء إلى وطنه لم يمنعه من أن يدفع أثماناً باهظة في زمن كان الاختلاف فيه قد يتحول إلى تهمة، والتهمة إلى سجن، والسجن إلى غياب أبدي.
ولم تنته المأساة عند لحظة الإعدام؛ فالعائلة لم تحصل على جسد تستطيع أن تودعه التراب، ولا على قبر يمكن أن تقف عنده لتقرأ الفاتحة. ظل الغياب مفتوحاً، وظلت بغداد، التي أحبها الفنان وكرس جزءاً من تجربته لتخليدها، عاجزة عن أن تمنح ذويه أبسط حقوق الوداع: مثوىً يضم جسده.
وهنا تتجاوز حكاية عبد الحميد راجي الزبيدي حدود السيرة الشخصية لتصبح جزءاً من مأساة جيل كامل من الفنانين والمثقفين العراقيين الذين اصطدمت أحلامهم بالسلطة، ودفع بعضهم حياته ثمناً للكلمة والموقف والانتماء الفكري.
لقد كان الرجل يعمل بالطين والنار، لكنه لم يكن يعرف أن حياته نفسها ستتحول إلى قطعة خزف مأساوية، تحرق في نار الاستبداد. كان يصنع السيراميك ليمنحه الصلابة والجمال، فإذا بسلطة عابرة تحاول أن تحوّل الإنسان إلى أثر مفقود. غير أن السلطة تستطيع أن تخفي الجسد، ولا تستطيع أن تمحو العمل، كما تستطيع أن تصادر الحياة، لكنها تعجز عن مصادرة الذاكرة.
من جدارية المصرف العقاري إلى جدارية البنك المركزي، ومن قاعات كلية الفنون الجميلة إلى عتمة المعتقل، تمتد سيرة عبد الحميد راجي الزبيدي كخط واحد يجمع الفن بالمصير. ترك وراءه جداريات وشهادات أكاديمية وطلاباً وذاكرةً فنية، لكنه ترك، قبل ذلك كله، سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً عن معنى أن يقتل فنان وتطمس آثار موته، بينما تبقى أعماله شاهدةً على وجوده.
عبد الحميد راجي الزبيدي لم يعد مجرد اسم في سجل الفنانين العراقيين؛ إنه جزء من ذاكرة الفن الذي قاوم النسيان. فالفنان الذي استوطن الفخار والسيراميك طيناً وناراً، استحال هو نفسه إلى أثرٍ لا تستطيع عتمة الإعدام أن تطفئه.
لقد غاب الجسد، وبقي الأثر؛ غاب الفنان، وبقيت جدارياته. وحين يحاول النسيان أن يطوي الصفحة، يأتي الفن ليعيد فتحها من جديد.
ذلك هو انتصار عبد الحميد راجي الزبيدي الأخير: أن يتحول من ضحية في سجل القمع إلى شاهد خالد في تاريخ الفن العراقي؛ لامعاً كالفرفوري، صلباً كالسيراميك، وحاضراً في ذاكرة وطنٍ ما زال يبحث عن قبور أبنائه الذين لم يجدوا قبراً.

قد يعجبك ايضا