المولد النبوي الشريف… فرحٌ بالرحمة وشكرٌ للنعمة وتجديدٌ للمحبة المحمدية .

نوري جاسم

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي أرسل إلينا سيدنا محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، وجعله خاتم أنبيائه ورسله، وأتم به نعمته، وأكمل به الدين، وجعل محبته في قلوب المؤمنين نورًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، والرحمة المهداة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إن الحديث عن المولد النبوي الشريف ليس حديثًا عن مناسبة عابرة في صفحات التاريخ، ولا عن يومٍ من أيام السنة يمر ثم ينقضي، وإنما هو حديث عن أعظم نعمة أشرقت بها الدنيا، وعن الرحمة التي أرسلها الله سبحانه وتعالى إلى العالمين، وعن النبي الذي قال الله تعالى في شأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية 107]. ومن هنا فإن الفرح بمولده ﷺ ليس فرحًا بمجرد ميلاد إنسان، وإنما هو فرح بظهور الرحمة المحمدية، وبابتداء فجر الرسالة التي أخرج الله بها الناس من الظلمات إلى النور. وقد قرر القرآن الكريم أن بعثة النبي ﷺ نعمة ومنّة عظيمة، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية 164]، وتأمل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾؛ فالله جل جلاله يسمي بعثة الرسول منّةً على المؤمنين، وأي نعمة أعظم من نعمة من علّم الأمة كتاب ربها، وزكّى نفوسها، وأخرجها من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان؟ ولذلك فإن تذكر مولده الشريف، واستحضار سيرته، وتعريف الأجيال بشمائله وأخلاقه، والصلاة والسلام عليه، وإظهار الفرح بنعمة بعثته، يمكن أن يُفهم في إطار شكر هذه المنّة واستحضارها في القلوب. ويؤيد هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس، الآية 58]، فإذا كان الله تعالى يأمر عباده بالفرح بفضله ورحمته، وكان قد وصف رسوله ﷺ بأنه رحمة للعالمين، فإن الفرح برسول الله ﷺ وبذكر مولده وبالنعمة التي أرسل بها إلى البشرية يدخل من حيث المعنى في الفرح بفضل الله ورحمته، مع بقاء الدقة العلمية في القول بأن الآية ليست نصًا خاصًا في الاحتفال بالمولد، وإنما هي أصل عام يُستأنس به في مشروعية الفرح بنعم الله ورحماته. ومن أجمل ما يستند إليه في هذا الباب قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة إبراهيم، الآية 5]، وقد فسّر عدد من السلف ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ بنعم الله، فذكر أيام الله ليس مجرد استحضار للتاريخ، وإنما تذكير بالوقائع التي تجلت فيها نعم الله وآياته، ولذلك فإن استحضار يوم مولد سيدنا محمد ﷺ، وتذكير الناس بما ترتب على مولده وبعثته من نور وهداية ورحمة، يمكن أن يدخل في هذا الأصل من جهة المعنى والمقصد. ومن اللطائف القرآنية البديعة أن القرآن الكريم ذكر يوم الميلاد في سياق السلام والتكريم، فقال سبحانه عن يحيى عليه السلام: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [سورة مريم، الآية 15]، وقال عن عيسى عليه السلام: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [سورة مريم، الآية 33]؛ والإنصاف العلمي يقتضي أن نقول إن هاتين الآيتين لا تتضمنان أمرًا بإقامة احتفال بالمولد النبوي، لكنهما تدلان على أن يوم الميلاد يمكن أن يُذكر في سياق السلام والتكريم، وهذا يفتح باب الاستئناس بجواز استحضار يوم الميلاد وتذكير الناس بما ارتبط به من فضل، ولا سيما إذا كان المقصود من ذلك تعظيم النبي ﷺ وإحياء سيرته وتعليم سنته. وقد أمر القرآن الكريم بتوقير النبي ﷺ وتعظيم مقامه، فقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [سورة الفتح، الآية 9]، ومن أعظم صور توقيره أن تُحيى سيرته في النفوس، وأن يعرف الناس شمائله، وأن تُذكر رحمته، وأن تُستعاد أخلاقه، وأن تتصل الأجيال بسيرته العطرة، وأن يكون ذكره سببًا في الاقتداء به لا مجرد التعلق اللفظي باسمه. ثم يأتي الأمر القرآني الصريح بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب، الآية 56]، فإذا اجتمع المسلمون في المولد على الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وقراءة القرآن، وذكر سيرته وشمائله، وتعليم سنته، والدعاء، وإطعام الطعام، فإنهم يجتمعون على أعمال لها أصولها الشرعية، وإنما يقع البحث الفقهي في تخصيص هذه الأعمال بمناسبة المولد، لا في أصل الصلاة على النبي ولا في أصل إطعام الطعام ولا في أصل تعلم سيرته. وقد جعل القرآن الكريم إطعام الطعام من أعمال البر فقال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [سورة الإنسان، الآيتان 8-9]، ومن هنا فإن من صور المولد التي يجتمع فيها الناس على إطعام الفقراء والمساكين، وإكرام الضيوف، وصلة الأرحام، وإدخال السرور، وذكر الله ورسوله ﷺ، لا يمكن أن يُنظر إليها بمعزل عن أصول هذه الأعمال المشروعة. ولهذا وجدنا عددًا من العلماء المتقدمين ينظرون إلى المولد من خلال ما يشتمل عليه من أعمال ومقاصد، لا باعتباره عبادة مستقلة ذات هيئة مخصوصة ثبتت بنص خاص. ومن أشهر هؤلاء الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (849-911هـ)، الذي أفرد رسالة بعنوان حسن المقصد في عمل المولد، وقرر فيها أن أصل عمل المولد، إذا كان اجتماعًا لقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مولد النبي ﷺ، ثم إطعام الطعام والانصراف عن غير ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي ﷺ وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف. وهذا النص مهم؛ لأنه يوضح أن السيوطي لم يجعل المولد عبادة مستقلة جديدة، وإنما نظر إلى الاجتماع باعتباره جامعًا لأعمال مشروعة، وإلى المقصد منه باعتباره تعظيمًا للنبي ﷺ وفرحًا واستبشارًا بمولده. وكذلك عُرف عن الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773-852هـ) كلام في تخريج أصل المولد على قاعدة شكر الله تعالى على النعمة، وقد اشتهر عنه أن أصل عمل المولد يمكن أن يُلحق بأصل الشكر لله تعالى إذا اقتصر على ما هو مشروع، وهو من كبار أئمة الحديث الذين لا يصح تجاوز مكانتهم العلمية عند مناقشة هذه المسألة. وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن العلماء اختلفوا في حكم تخصيص هذه المناسبة، ولذلك فإن القول بمشروعية المولد لا يحتاج إلى إنكار وجود الخلاف، بل قوته أن يقال: إن طائفة من كبار العلماء أجازته باعتبار ما يشتمل عليه من أعمال صالحة ومقاصد حسنة، بشرط اجتناب المحرمات والغلو والمخالفات. ومن هنا يصبح المولد النبوي في الرؤية الروحية للطريقة العلية القادرية الكسنزانية مناسبةً لإحياء المحبة المحمدية وتجديد الصلة برسول الله ﷺ، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، واستحضار سيرته وشمائله، وتزكية النفوس، وربط الذكر بالسلوك، وربط المحبة بالاقتداء؛ فالمحبة الصادقة ليست كلمات تُقال، وإنما أثر يظهر في حياة الإنسان، محبة تؤدي إلى الاقتداء، وذكر يؤدي إلى تزكية، وصلاة على النبي ﷺ تؤدي إلى دوام الصلة بهديه، وفرح بالمولد يتحول إلى التزام بأخلاق محمد ﷺ. ولذلك فإن الاحتفال الحقيقي بالمولد لا ينبغي أن يقاس بكثرة الزينة والمظاهر والأصوات، وإنما بما يتركه في القلب من معرفة ومحبة، وفي السلوك من استقامة ورحمة، وفي المجتمع من تكافل وإطعام وإحسان؛ فحين نقرأ سيرته نزداد حبًا له، وحين نذكر أخلاقه نحاول أن نتخلق بها، وحين نصلي عليه نزداد تعلقًا بهديه، وحين نطعم الطعام نستحضر رحمته بالفقراء، وحين نجتمع على ذكره نعلّم أبناءنا من هو محمد ﷺ، وحين نفرح بمولده نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا لكي نكون من أتباعه حقًا؟ إن المولد الذي لا يغير الأخلاق قد يتحول إلى عادة، أما المولد الذي يوقظ القلب ويهذب السلوك ويجدد العهد برسول الله ﷺ فهو مولد حي في النفوس، لأن المقصود ليس الاحتفال بالزمن، وإنما الاحتفال بصاحب الرسالة، وليس تعظيم يوم مجرد، وإنما تعظيم نعمة الرسالة المحمدية، وليس أن نقول فقط: وُلد محمد ﷺ، وإنما أن نسأل: هل وُلدت في قلوبنا محبته؟ وهل وُلد في سلوكنا خُلقه؟ وهل وُلد في حياتنا اتباعه؟ وهنا يبلغ المولد غايته الكبرى؛ أن يتحول الفرح بالمصطفى ﷺ من مناسبة في التقويم إلى نور في القلب، ومن ذكرى في العام إلى محبة في كل يوم، ومن احتفال باللسان إلى اتباع في الإنسان. فسلام على محمد يوم وُلد، وسلام عليه يوم بُعث رحمة للعالمين، وسلام عليه يوم بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وسلام عليه يوم توفاه الله، وسلام عليه يوم يُبعث حيًا، وصلاة الله وسلامه وبركاته عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ما تعاقب الليل والنهار، وما خفق قلب مؤمن بحب المصطفى المختار. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والوحي والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …

قد يعجبك ايضا