محمد علي الحيدري
واشنطن
في الحروب، لا تكشف الأهداف التي تُقصف دائماً عن هوية الخصم الحقيقي، بل تكشف أحياناً عن حدود القرار السياسي. والحرب الأخيرة قدمت نموذجاً لافتاً لهذه المفارقة؛ فإيران، التي جعلت من إسرائيل خصمها الأول في خطابها السياسي والعسكري طوال عقود، لم تجعل الأراضي الإسرائيلية ساحة الرد الرئيسية، بينما تعرضت أهداف ومصالح أمريكية في السعودية ودول خليجية أخرى لهجمات إيرانية. وفي المقابل، لم تتجه السعودية إلى استهداف الأراضي الإيرانية مباشرة، رغم أنها كانت في قلب المواجهة وتعرضت أراضيها لهجمات.
هذه الحقيقة تفرض سؤالاً مشروعاً: لماذا تجنب الطرفان المواجهة العسكرية المباشرة، رغم أن كلاً منهما كان يحمّل الآخر مسؤولية التصعيد؟
من الواضح أن القيادة الإيرانية كانت تدرك أن فتح مواجهة واسعة مع إسرائيل قد يستدعي رداً أمريكياً وإسرائيلياً غير مسبوق، ويحول الحرب إلى صراع مفتوح يهدد بقاء توازنات المنطقة بأسرها. لذلك فضلت، على ما يبدو، توسيع نطاق الضغط على المصالح الأمريكية وحلفائها، مع إبقاء المواجهة المباشرة مع إسرائيل ضمن حدود محسوبة.
لكن المفارقة المقابلة لا تقل أهمية. فالسعودية، التي تعرضت خلال الحرب لهجمات إيرانية على أهداف ومصالح داخل أراضيها، لم تتجه إلى قصف الداخل الإيراني. وبدلاً من ذلك، اتجهت، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، إلى استهداف أهداف داخل العراق قالت إنها ترتبط بمصادر التهديد أو بالجهات المسؤولة عن تنفيذ الهجمات، لتصبح الأراضي العراقية مرة أخرى ساحة يتبادل فوقها الآخرون رسائلهم العسكرية.
وهنا برز الموقف العراقي بصورة مختلفة. فقد رفضت الحكومة العراقية الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضيها للاعتداء على أي دولة، وأكدت تمسكها بسيادة العراق، ودعت إلى تحقيق مشترك لكشف حقيقة ما جرى وتحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات. وبغض النظر عن نتائج ذلك التحقيق، فإن موقف بغداد عكس محاولة واضحة لمنع تكريس صورة العراق باعتباره منصة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو موقف ينسجم مع مصلحة الدولة العراقية التي دفعت، خلال العقود الماضية، ثمناً باهظاً لتحول أراضيها إلى ساحة صراعات الآخرين.
ويبقى السؤال قائماً: لماذا لم تضرب إيران إسرائيل؟ ولماذا لم تضرب السعودية إيران؟
قد تختلف الإجابات، لكن الوقائع تشير إلى أن الطرفين، كلٌ بطريقته، فضلا إدارة الحرب عند مستوى معين، وتجنب الانتقال إلى مواجهة ثنائية مباشرة قد يصعب احتواء نتائجها. فإيران اختارت توسيع الضغط الإقليمي دون جعل إسرائيل ميدان الحرب الرئيس، والسعودية اختارت الرد عبر ساحات أخرى دون نقل المعركة إلى العمق الإيراني.
ولا يعني ذلك وجود تفاهم غير معلن بين الخصمين، بل يعكس إدراكاً مشتركاً بأن الحرب المباشرة بين دولتين بحجم إيران والسعودية، أو بين إيران وإسرائيل بصورة مفتوحة، قد تتجاوز قدرة الجميع على السيطرة عليها، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
غير أن ذلك لا يغير حقيقة أخرى تستحق النقاش؛ وهي أن العراق، مرة بعد أخرى، يجد نفسه ساحة تُدار فوقها صراعات لا يكون طرفاً في قرارها، بينما يطالب باحترام سيادته وإبعاد أراضيه عن المواجهات الإقليمية. وهذه معادلة لا يمكن أن تستمر إذا أرادت المنطقة بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً واحتراماً لسيادة الدول.
ولعل أكثر ما تكشفه هذه الحرب أن الخطاب السياسي شيء، وحسابات الميدان شيء آخر. فإسرائيل بقيت خارج دائرة المواجهة الإيرانية المباشرة، وإيران بقيت خارج دائرة الرد السعودي المباشر، بينما تحملت دول وساحات أخرى جانباً كبيراً من أعباء الصراع. وفي عالم السياسة، كثيراً ما يكون الامتناع عن ضرب هدف معين قراراً استراتيجياً لا يقل دلالة عن قرار استهدافه.