كوردستان… حيث تنتصر الحكمة على الضجيج! لماذا يعود الجميع إلى أربيل عندما تعجز بغداد عن إنتاج الحلول؟
عطا شميراني
في السياسة، لا ينبغي أن نتوقف طويلًا عند التصريحات، لأن التصريحات تخاطب الجمهور، بينما القرارات تخاطب الواقع. والسياسي قد يقول اليوم ما يناسب لحظة الانفعال، لكنه يعود غدًا إلى ما تفرضه الجغرافيا والمصلحة الوطنية. ولذلك فإن زيارة رئيس حزب تقدم، محمد الحلبوسي، إلى أربيل، بعد تصريحه السابق الذي قال فيه: “لو عيشتي واكفة على روحتي لأربيل ما أروح”، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تراجعًا شخصيًا فحسب، بل باعتبارها دليلًا جديدًا على المكانة التي وصلت إليها كردستان في المعادلة السياسية العراقية.
فالسياسة لا تعرف القطيعة الدائمة، وإنما تعرف المصالح الدائمة.
ومن هنا تبدأ أهمية أربيل.
لقد تحولت عاصمة إقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين من مدينة تدير شؤون إقليمها، إلى مدينة تلعب دور الوسيط والضامن والمستضيف للحوار بين القوى العراقية. وهذا لم يأتِ بالمصادفة، بل كان نتيجة سياسة هادئة انتهجتها القيادة الكردستانية، تقوم على إبقاء الأبواب مفتوحة مع الجميع، مهما بلغت الخلافات.
وعندما نتأمل تاريخ العراق بعد عام 2003، نجد أن عشرات الاجتماعات المصيرية بين القوى الشيعية والسنية والكردية، بل وحتى اللقاءات التي ضمت أطرافًا إقليمية ودولية، جرت في أربيل. ولم يكن السبب جمال المدينة أو تطورها العمراني، بل لأنها نجحت في بناء صورة مختلفة عن بقية المشهد العراقي؛ صورة المكان الذي يمكن للخصوم أن يجلسوا فيه إلى طاولة واحدة دون ضجيج أو توتر.
في علم السياسة، لا تكتسب المدن أهميتها بعدد سكانها، وإنما بالدور الذي تؤديه في صناعة القرار. فجنيف ليست قوة عسكرية، لكنها عاصمة للمفاوضات. وفيينا ليست دولة عظمى، لكنها أصبحت عنوانًا للدبلوماسية الدولية. وكذلك أربيل، فقد بنت لنفسها مكانة باعتبارها مساحة للحوار، لا ساحة للصراع.
إن ما يلفت الانتباه في زيارة الحلبوسي ليس أنها جاءت بعد تصريح سابق، بل أنها تؤكد مرة أخرى أن جميع القوى العراقية، مهما اختلفت مواقفها، تدرك في النهاية أن كردستان شريك لا يمكن تجاوزه. فالخلافات السياسية قد تتغير، أما الحقائق الجيوسياسية فتبقى ثابتة.
لقد أثبتت التجربة أن كردستان لم تكن يومًا مصدرًا للأزمات العراقية، بل كانت في كثير من الأحيان جزءًا من الحل. فعندما احتدمت الصراعات بين القوى السياسية، بقيت أربيل تستقبل الجميع. وعندما تعطلت قنوات التواصل، كانت كردستان تفتح قنوات جديدة للحوار.
وهذه ليست مسألة بروتوكول سياسي، بل تعكس فلسفة كاملة في إدارة العلاقات. فالقيادة التي تؤمن بالحوار لا تبني نفوذها على الخصومة، وإنما على قدرتها في جمع المختلفين.
لقد عانى الشعب الكردي، عبر تاريخه الحديث، من الحروب والتهجير والأنفال والقصف والحرمان. وربما لهذا السبب أصبح أكثر إدراكًا لقيمة السلام. فالشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة للحروب تعرف أن الاستقرار ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء المجتمع ونمو الاقتصاد وحماية الإنسان.
ولهذا السبب أيضًا، استطاعت كردستان أن توفر بيئة أكثر استقرارًا مقارنة بمحيطها، الأمر الذي جعلها مقصدًا للاستثمار، وملاذًا لعشرات الآلاف من النازحين من مختلف المحافظات العراقية في أوقات الأزمات الأمنية. وهذا الواقع منحها رصيدًا سياسيًا وأخلاقيًا يتجاوز حدودها الإدارية.
إن زيارة الحلبوسي إلى أربيل تحمل رسالة مهمة لكل الطبقة السياسية العراقية، وهي أن لغة التصعيد قد تحقق مكاسب إعلامية مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تلغي حقائق الجغرافيا والسياسة. فالعراق لا يمكن أن يُدار دون تفاهم بين مكوناته الأساسية، وكردستان ليست هامشًا في هذه المعادلة، بل أحد أعمدتها الرئيسية.
كما أن هذه الزيارة تؤكد حقيقة أخرى، وهي أن كردستان نجحت في بناء ما يسمى في العلاقات الدولية بـ”القوة الناعمة”. فالقوة ليست فقط في امتلاك السلاح أو النفوذ الاقتصادي، بل في امتلاك الثقة. وعندما يختار السياسيون مدينة معينة لعقد اجتماعاتهم الحساسة، فإنهم يمنحونها اعترافًا ضمنيًا بأنها مكان آمن للحوار وصناعة التفاهمات.
لكن في المقابل، ينبغي على القيادة الكردستانية أن تحافظ على هذا الدور وأن تطوره. فالعراق والمنطقة يمران بتحولات كبيرة، وكردستان تمتلك فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كجسر للتفاهم بين مختلف القوى، لا باعتبارها طرفًا في النزاعات، بل باعتبارها مساحة لإنتاج الحلول.
إن المستقبل لن يكون للدول أو الأقاليم التي ترفع أصواتها أكثر، وإنما لتلك التي تستطيع أن تجمع المختلفين حول طاولة واحدة. فالسياسة الحديثة لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بقدرة القادة على منع الأزمات قبل وقوعها، وبناء الثقة بين الخصوم.
ولذلك، فإن زيارة الحلبوسي إلى أربيل ليست انتصارًا لشخص على آخر، ولا هزيمة لتصريح سابق، بل هي انتصار لفكرة أكبر؛ وهي أن كردستان أصبحت عنوانًا للاستقرار، وأن أبوابها بقيت مفتوحة حتى لمن أغلقها يومًا بخطابه.
وهنا تكمن قوة كردستان الحقيقية. فليست القوة في أن ينتصر طرف على خصمه، وإنما في أن تتحول أرضك إلى المكان الذي يقصده الجميع عندما يبحثون عن مخرج من أزماتهم. هذه المكانة لا تُشترى بالمال، ولا تُفرض بالقوة، بل تُبنى عبر سنوات من الاستقرار، والانفتاح، والقدرة على إدارة الخلافات بعقل الدولة. وإذا حافظت كردستان على هذا النهج، فإنها لن تبقى مجرد إقليم في العراق، بل ستترسخ بوصفها عاصمةً للسلام السياسي، وملاذًا للحوار، وجسرًا يربط بين المتخاصمين كلما ضاقت بهم السياسة.