الكورد… بين إرث الحضارة وغياب الدولة! قراءة في معادلات القوة وحق تقرير المصير

عطا شميراني

في العلاقات الدولية، لا تُقاس شرعية القضايا بعدالة مطالبها وحدها، بل بميزان القوة ومصالح الدول. ومن هذا المنطلق، تُعد القضية الكوردية واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيدًا في الشرق الأوسط، لأنها تتجاوز كونها قضية أقلية أو نزاعًا حدوديًا، لتصبح قضية شعب يمتلك مقومات الأمة كافة، لكنه يعيش منذ أكثر من قرن خارج إطار الدولة القومية.

لقد أفرز النظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى واقعًا سياسيًا جديدًا، قامت فيه دول حديثة على أنقاض الدولة العثمانية، بينما بقي الكورد الاستثناء الوحيد بين شعوب المنطقة. فمع أن معاهدة سيفر عام 1920 فتحت الباب أمام احتمال قيام دولة كوردية، جاءت معاهدة لوزان عام 1923 لتغلق هذا الباب نهائيًا، وتؤسس لنظام إقليمي يقوم على تثبيت الحدود الجديدة، حتى وإن كان ذلك على حساب حق شعب بأكمله في تقرير مصيره.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت القضية الكوردية جزءًا من معادلة الأمن القومي للدول الأربع التي تتقاسم كردستان؛ تركيا والعراق وإيران وسوريا. لذلك لم تعد هذه الدول تنظر إلى المطالب الكوردية باعتبارها مطالب سياسية قابلة للتفاوض، بل باعتبارها تحديًا مباشرًا لسيادة الدولة ووحدة أراضيها، وهو ما يفسر اختلاف الأدوات السياسية والأمنية المستخدمة في التعامل مع الملف الكوردي، مع بقاء الهدف الاستراتيجي واحدًا: منع تشكل كيان كوردي مستقل.

في المقابل، لم تنجح الحركة القومية الكوردية في بناء مشروع سياسي موحد يخاطب المجتمع الدولي بلغة المصالح، بقدر ما بقيت رهينة الانقسامات الحزبية والجغرافية. فالانقسام بين أجزاء كردستان الأربعة، واختلاف الأولويات السياسية بين القوى الكوردية، منح القوى الإقليمية فرصة لإدارة الملف وفق سياسة التوازن والاحتواء، بدلاً من السماح بتحوله إلى مشروع قومي متكامل.

كما أن الموقع الجيوسياسي لكردستان زاد من تعقيد المشهد. فالمنطقة تقع في قلب الشرق الأوسط، وتتحكم بممرات برية مهمة، وتجاور ثلاث قوى إقليمية كبرى، فضلًا عن امتلاكها احتياطيات كبيرة من النفط والغاز وموارد مائية استراتيجية. ولذلك أصبحت كردستان عنصرًا مؤثرًا في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي، وهو ما جعل القوى الدولية تنظر إلى القضية الكوردية من زاوية الاستقرار الإقليمي، لا من زاوية الحقوق القومية.

ومن هنا، يمكن فهم التناقض الواضح في السياسات الدولية تجاه الكورد. فالقوى الكبرى كثيرًا ما اعتمدت على الكورد كشريك أمني أو عسكري في مراحل معينة، لكنها في الوقت ذاته تجنبت دعم أي مشروع سياسي يقود إلى تغيير الحدود القائمة، إدراكًا منها أن قيام دولة كوردية قد يفتح الباب أمام إعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط، وهو سيناريو تخشاه معظم القوى الإقليمية والدولية.

وفي العراق، تبدو التجربة الكوردية الأكثر تقدمًا مقارنة ببقية أجزاء كردستان. فقد منح الدستور العراقي لعام 2005 إقليم كردستان وضعًا اتحاديًا معترفًا به، يمتلك مؤسساته الدستورية وقواته الأمنية وصلاحياته الإدارية. غير أن هذه التجربة ما زالت تواجه تحديات مستمرة، تتعلق بطبيعة العلاقة مع الحكومة الاتحادية، وتوزيع الثروات، وإدارة المناطق المتنازع عليها، فضلًا عن تأثير الصراعات الإقليمية على القرار السياسي داخل الإقليم.

أما في تركيا وإيران وسوريا، فما زالت المقاربة الأمنية هي الإطار الغالب في التعامل مع القضية الكوردية، مع اختلاف في الأدوات والأساليب تبعًا للظروف الداخلية لكل دولة. وهذا يؤكد أن الملف الكوردي لم يعد شأنًا داخليًا، بل تحول إلى قضية إقليمية ترتبط مباشرة بمفاهيم الأمن القومي، والتوازنات العسكرية، والتحالفات الدولية.

سياسيًا، لا يمكن فصل مستقبل القضية الكوردية عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي. فالعالم يتجه تدريجيًا نحو إعادة تشكيل موازين القوى، في ظل تنافس متصاعد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتراجع مفهوم الأحادية القطبية. وفي مثل هذه التحولات، غالبًا ما تعاد صياغة الملفات العالقة وفق المصالح الجديدة، وهو ما يجعل القضية الكوردية مرشحة للبقاء على جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

لكن العامل الحاسم لن يكون المتغيرات الدولية وحدها، بل قدرة الكورد أنفسهم على بناء رؤية سياسية موحدة، ومؤسسات أكثر قوة، وخطاب دبلوماسي يخاطب العالم بلغة القانون الدولي والمصالح المشتركة، بعيدًا عن الانقسامات الداخلية التي أضعفت الموقف الكوردي خلال محطات تاريخية عديدة.

ففي السياسة، لا يكفي امتلاك عدالة القضية، بل يجب امتلاك أدوات إدارتها. ولا يكفي التعويل على التعاطف الدولي، بل ينبغي بناء شراكات استراتيجية تجعل استقرار كردستان مصلحة مشتركة للقوى الإقليمية والدولية. كما أن تعزيز المؤسسات الديمقراطية، وترسيخ الحكم الرشيد، وتوحيد القرار السياسي، تمثل عناصر أساسية لتحويل القضية الكوردية من ملف تاريخي مؤجل إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

إن القضية الكوردية اليوم لم تعد مجرد مطالبة بدولة، بل أصبحت اختبارًا لمبادئ النظام الدولي نفسه، الذي يعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي الوقت ذاته يتمسك بقدسية الحدود القائمة. وبين هذين المبدأين تتحرك السياسة الدولية وفق حسابات المصالح، لا وفق اعتبارات العدالة وحدها.

وبعد أكثر من مئة عام على تقسيم كردستان، ما زال السؤال قائمًا: هل يبقى الكورد أكبر أمة في العالم بلا دولة، أم أن التحولات الجيوسياسية المقبلة ستفتح نافذة جديدة لإعادة النظر في واحدة من أقدم القضايا القومية في الشرق الأوسط؟

إن الإجابة لن تُكتب بالعاطفة أو بالشعارات، بل بميزان السياسة، ووحدة القرار الكوردي، وقدرته على تحويل الإرث الحضاري إلى مشروع سياسي ناضج، قادر على التفاعل مع النظام الدولي بلغة الدولة، لا بلغة المظلومية وحدها. ففي عالم المصالح، لا تُمنح الحقوق مجانًا، وإنما تُنتزع عبر قوة المؤسسات، ووحدة الصف، وحسن إدارة الجغرافيا والسياسة معًا.

قد يعجبك ايضا