مصطفى عبدالكريم قایتەوەني
لا أريد أن أطيل الحديث عن هوية كركوك أو أخوض في أعماق تاريخها العريق، لكنني أود أن أشير إلى بعض القضايا المهمة المتعلقة بهذه المدينة العريقة التي تعاني من الإهمال بدرجة كبيرة. فقلّة من يدركون خطورة ترك جرح كركوك مفتوحًا دون معالجة، لأن استمرار هذا الجرح لا يهدد حاضر المدينة فحسب، بل يرهن مستقبل أجيالها القادمة.
نحن أبناء كركوك، وُلد فيها آباؤنا وأجدادنا، وولدنا نحن وأبناؤنا على أرضها، وترعرعنا في هوائها ومناخها، وعشنا فيها حلوها ومرها. لقد جمعنا القدر بكركوك، ولم تكن علاقتنا بها يومًا مرتبطة بالمناصب أو الامتيازات أو المصالح. فمنذ عقود، كان الغرباء يأتون إليها، وكانت هذه إحدى سياسات النظام البعثي، الذي حرم أبناء كركوك من مختلف مكوناتها من حقوقهم، وجلب آخرين ليستفيدوا من خيرات هذه المدينة العريقة.
أما اليوم، فإننا نرى أبناء كركوك غرباء في مدينتهم. فقد امتد نفوذ الغرباء إلى مفاصل الإدارة والأجهزة الأمنية، ووصل تأثيره إلى الأحزاب السياسية، بينما امتلأت الأسواق والشوارع بأشخاص لا تربطهم بالمدينة جذور تاريخية، حتى إن ملامحها الاجتماعية أخذت تتغير بصورة تثير القلق لدى أبنائها.
وخلال السنوات الثلاث والعشرين الماضية، لم تبقَ عاصمة، من الولايات المتحدة إلى دول الجوار، إلا واستضافت مؤتمرات وندوات وحوارات حول مصير كركوك. إلا أن معظم تلك الاجتماعات انتهت بالفشل، وأُهدرت خلالها أموال طائلة دون نتائج تُذكر. ولو أن تلك الأموال صُرفت على إعادة إعمار المدينة وتطويرها، لكانت كركوك اليوم من أكثر المدن العراقية ازدهارًا وتقدمًا. لكن، وللأسف، كانت هناك أيادٍ خفية سعت إلى تعميق الخلافات بين مكونات المدينة، ونجحت إلى حد كبير في تكريس الانقسام بدلًا من ترسيخ الشراكة.
واليوم، نرى أشخاصًا لا يمتلكون أي تمثيل برلماني أو محلي، ولا وجود فعليًا لهم في محافظة كركوك، يقررون مصير المدينة، ويتدخلون في اختيار قياداتها وإدارتها. وهذه من أكبر المآسي التي تعاني منها كركوك، إذ لا يمكن أن تُبنى مدينة مستقرة بقرارات تُفرض من خارج إرادة أهلها.
في الماضي، فشلنا في إيجاد حلول حقيقية لمشكلات كركوك، رغم وجود نصوص دستورية واضحة تعالج هذه القضية. لكن الجميع أدرك أن عدم الالتزام بالدستور وعدم تنفيذ مواده جعل مصير المدينة رهينة للمساومات السياسية والمصالح الضيقة، بعيدًا عن مبدأ سيادة القانون.
أما اليوم، فإن كركوك تعاني من أزمة عميقة تتمثل في غياب الاحترام لحقوق سكانها الأصليين من الكرد والتركمان، كما أن الوجود المسيحي في المدينة تراجع بصورة مؤلمة نتيجة الهجرة والنزوح. وفي الوقت نفسه، يعاني المواطنون العرب الأصليون أيضًا من كثير من المشكلات نفسها التي يعاني منها الكرد والتركمان، الأمر الذي يؤكد أن معاناة كركوك لا تقتصر على مكون دون آخر، بل تمس جميع أبنائها.
وفي المقابل، نشهد يوميًا موجة متزايدة من انتقال سكان من بغداد والموصل والأنبار وديالى وصلاح الدين ومناطق عراقية أخرى، حيث يبيعون ممتلكاتهم بأسعار مرتفعة ثم يشترون العقارات في كركوك ويستقرون فيها، وسط غياب الرقابة والتنظيم القانوني. ويرى كثيرون أن هذه الظاهرة قد تؤثر في التركيبة السكانية للمدينة، وفي مستقبلها السياسي والانتخابي، وهو ما يستوجب معالجته وفق الدستور والقانون وبما يحفظ حقوق جميع المواطنين.
إذا كنا قد أخفقنا في الماضي، فإن حاضر كركوك يواجه تحديات أكثر خطورة، أما المستقبل فيحمل مخاطر حقيقية، ولا سيما على المكونين الرئيسيين، الكرد والتركمان. فمنذ أكثر من عشر سنوات، تدق أجراس الإنذار، ومع ذلك لم تُتخذ خطوات جدية لمعالجة هذه الملفات.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقع اليوم على عاتق أعضاء مجلس النواب، وأعضاء مجلس محافظة كركوك، والأحزاب السياسية الكردية والتركمانية، إلى جانب القوى السياسية للمكونين العربي والمسيحي، من أجل التحرك العاجل وإطلاق حوار وطني صادق يضع مصلحة كركوك فوق كل اعتبار.
إن الكورد والتركمان ليسوا خصمين، ولا يشكل أحدهما خطرًا على الآخر، بل هما قوميتان عاشتا معًا في كركوك عبر التاريخ، وتربطهما علاقات اجتماعية وثقافية وإنسانية عميقة، وقواسم مشتركة أكثر بكثير مما يفرقهما. ولذلك فإن أي محاولة لإثارة الخلاف بينهما لا تخدم إلا الجهات التي تسعى إلى إضعاف المدينة وتمزيق نسيجها الاجتماعي.
إن حماية كركوك مسؤولية جماعية، تتطلب تعاون جميع القوى السياسية، والكورد والتركمان والعرب الأصليين والمسيحيين، والعمل بروح الشراكة والاحترام المتبادل لإيجاد حلول عملية قبل فوات الأوان. فبعد ذلك، لن ينفع الندم، لأن كركوك، أرضًا وشعبًا، أكبر من جميع الأحزاب والأشخاص، وستبقى مسؤولية الجميع في الحفاظ على تاريخها وهويتها ومستقبلها، لتظل مدينةً للتعايش والتنوع، لا ساحةً للصراعات والانقسامات.