الظروف القضائية المخففة للعقوبة

زهير كاظم عبود

يعتمد الأساس التشريعي للسياسة الجنائية في العراق على قانوني العقوبات المعدل لتحديد العمل غير المشروع وتجريمه وتحديد العقوبة ، ويشمل قانون مكافحة الإرهاب وقوانين مكافحة المخدرات وغسيل الأموال وغيرها وعلى قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي ينظم الإجراءات الجنائية من التحقيق الى التنفيذ ، وتعاني السياسة الجنائية العراقية من تجاذب وتعارض مع الواقع بالنظر لقدم تلك القوانين وعدم تحديثها وانسجامها مع الحاضر ، وبما ينسجم مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي التزم بها العراق .
وضمن حملة مكافحة الفساد التي تجري اليوم اتجهت الحكومة العراقية الى التسوية المالية مع بعض المتهمين مقابل استرداد الأموال ، وتطبيق الظروف القضائية المخففة للعقوبة عند الحكم ، ومثل هذه السياسة لا تقوم الا بمشاركة السلطة القضائية مع السلطة التنفيذية ، غير ان الامر يعتمد على كيفية تطبيق تلك السياسة ، ولايمكن الحكم عليها بانها ناجحة او فاشلة بشكل مطلق ، وهناك من يؤيد هذه السياسة باعتبار انها :
1- تستعيد جزء من الأموال العامة بسرعة بدلا من الانتظار لفترة زمنية طويلة منذ بدء التحقيق الى اكتساب الاحكام الدرجة القطعية .
2- استعادة الأموال الى خزينة الدولة للاستفادة منها بشكل سريع في الخدمات والمشاريع الجديدة والمتوقفة
3- تقليل زخم الدعاوى وسرعة الإنجاز
وبالمقابل هناك من يتخوف من اعتماد هذه السياسة باعتبار انها :
1- يشعر المواطن العراقي بان العدالة لم يتم تحقيقها ، وهناك من سيفلت من العقوبة من الشركاء والمتعاونين
2- ان التسوية تشجع على الفساد حيث يضمن الفاسد انه في حال القبض عليه فعليه اعاده الأموال المسروقة او المختلسة او التي حصل عليها بطرق غير مشروعة ، وخلال الفترة التي استحوذ عليها على المال تمكن من الاستفادة منها وهو ما لم تتعرض له التسوية
3- ان مثل هذه التسويات غير الشفافة تؤثر جديا في ثقة الجمهور بمكافحة الفساد وبقرارات القضاء العراقي المحايد والمستقل
الا ان دور القضاء العراقي يعتمد على قانونية اية تسوية والتأكد من انها تستند الى نصوص قانونية
ويساهم القضاء في حسم القضية المعروضة امامه وفق نصوص قانونية نافذة ، كما انه سيحاسب المتهم وفقا لظروف القضية ومحاسبة المتهم في حال عدم تمكن شموله بالتسوية القانونية ، ويحرص القضاء العراقي على مبدأ المساواة لجميع العراقيين امام القانون بحيث لن يكون لشخص او لفئة لها امتياز عن فئة أخرى
وفقا لما تقدم فان نجاح هذه السياسة يعتمد على استرداد اكبر قدر ممكن من الأموال المنهوبة او المكتسبة بشكل غير مشروع او نتيجة استغلال المنصب او الوظيفة ، بالإضافة الى تفاعل الرقابة القضائية المستقلة ووضع الحجر الأول لمكافحة الفساد ، وتطبيق الظروف القضائية المخففة للعقوبة تبينها المحكمة في أسباب الحكم ، وان هذا التطبيق لن يحول التسوية المادية الى وسيلة للإفلات من العقاب ، بل الى وسيلة واداة استثنائية تنسجم مع الظروف التي تعيشها العراق اليوم .
وعموما فان استرداد المال العام من الناحية القانونية لا يعفي من المسؤولية الجنائية الا اذا نص القانون صراحة على ذلك .

قد يعجبك ايضا