التأخي / علاء كاطع
أثارت خطوة قناة “تلفزة.تي.في” بتعليق بثها احتجاجاً على الضغوط المالية والإدارية من قبل الديوان الوطني للإرسال الإذاعي والتلفزي، نقاشاً واسعاً في الساحة التونسية. لم يكن هذا القرار مجرد نزاع تقني أو مالي عابر، بل كشف عن أزمة وجودية أعمق تهدد استمرارية الإعلام الخاص برمته، وتضع التعددية الإعلامية على المحك .
وفي 20 يوليو 2026، أعلنت قناة “تلفزة.تي.في” تعليق بثها إلى أجل غير مسمى، مبررة ذلك بـ”الهرسلة المستمرة” والضغوط المتواصلة من الديوان الوطني للإرسال. أشارت القناة إلى غياب أي تجاوب رسمي يعالج الإشكاليات الهيكلية والمالية التي تعصف بالمؤسسات الإعلامية الخاصة. وتسلط هذه الخطوة الضوء على واقع مرير: تراجع العائدات الإعلانية، ارتفاع تكاليف البث، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد .
ويعاني الإعلام التونسي الخاص منذ سنوات من أزمة مالية مزمنة. بعد ثورة 2011، شهد القطاع انتعاشاً ملحوظاً مع ظهور عشرات القنوات والإذاعات والمواقع الإلكترونية، مدفوعاً بحرية التعبير الجديدة. لكن هذا الانتعاش لم يكن مدعوماً ببنية اقتصادية صلبة. اعتمدت معظم المؤسسات على الإشهار العمومي والخاص، الذي تراجع بشكل حاد بسبب الأزمة الاقتصادية العامة وارتفاع التضخم، وانخفاض الاستثمارات .
وتعتبر الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الإعلام الخاص في تونس واحدة من أعقد العقبات التي تهدد استمرارية التعددية الإعلامية وحرية التعبير في البلاد بعد أن أصبحت كبريات القنوات والإنتاجات الإذاعية والتلفزية تواجه خطراً حقيقياً بالإغلاق والاندثار جراء التضخم السريع في تكاليف البث والإنتاج والمعدات التكنولوجية الحديثة مقابل الهبوط الحاد والمستمر في عائدات الإشهار التجاري الذي يمثل شريان الحياة المالي والوحيد لهذه المؤسسات الصحفية المستقلة .
وقد تعمقت هذه الضائقة المالية الخانقة بسبب غياب سوق إعلانية منظمة وعادلة تحمي القنوات الصغيرة والناشئة من الاحتكار وتضمن لها نصيباً يكفي لتغطية أجور الصحفيين والتقنيين وحفظ كرامتهم المهنية الأمر الذي جعل الكثير من هذه المؤسسات تعيش تحت طائلة الديون المتراكمة لفائدة الديوان الوطني للإرسال الإذاعي والتلفزي والصناديق الاجتماعية الوطنية لتجد نفسها في مواجهة شبح الانقطاع الفجئي عن البث والمساءلة القضائية اليومية .
كما يساهم الغياب التام لآليات الدعم الحكومي الموجه والمباشر أو غياب التسهيلات الضريبية والبنكية المرنة في دفع المشهد الإعلامي نحو حافة الهاوية حيث أصبحت المؤسسات الإعلامية الخاصة عاجزة عن الصمود أمام التحولات الرقمية المتسارعة ومنافسة المنصات العالمية الكبرى التي تجذب المعلنين والجمهور التونسي على حد سواء مما أدى بالضرورة إلى تراجع جودة المادة الإخبارية والبرامجية وتحول القطاع الإعلامي من فضاء للتنوع والوعي إلى بيئة هشة تحكمها المصالح والضغوطات المالية الخانقة .
واليوم، يفرض الديوان الوطني للإرسال – كمؤسسة عمومية تحتكر خدمات البث – مستحقات مالية ثقيلة على القنوات الخاصة. وفي ظل غياب دعم حكومي أو إصلاحات جذرية، أصبحت هذه المستحقات عبئاً يهدد الاستمرارية .
وقناة “تلفزة.تي.في” ليست الأولى؛ فقد سبقتها حالات إفلاس أو تقليص نشاط لعدة مؤسسات إعلامية، مما ينذر بتراجع التعددية وفقدان مئات مواطن الشغل في قطاع حساس .
ويرى مراقبون أن هذا الفراغ يعكس تحولاً في الرؤية السياسية، حيث أصبحت الأجسام الوسيطة المستقلة محل ريبة، في إطار توجه شعبوي يفضل العلاقة المباشرة بين السلطة والمواطنين على حساب الوسائط الديمقراطية .
ويؤكد النائب محمد علي أن قوة الدولة لا تقاس بضعف هذه الوسائط، بل بقدرتها على تنظيمها وضمان استقلاليتها. الإعلام المستقل ليس خصماً للدولة، بل شريكاً في بناء المجال العام، يوفر مساحات للنقاش والمساءلة ويمنع احتكار الرواية الرسمية .
ولا تقتصر الأزمة على الجانب المالي. وسجلت منظمة “مراسلون بلا حدود” تراجع تونس في مؤشر حرية الصحافة، مشيرة إلى تصاعد الخطاب العدائي تجاه الصحفيين والتضييقات القانونية .