شفان صالح
لِكَهْفِ شَانِيدَرْ تَعُودُ الذَّاكِرَةْ.
حِينَ اقْتَادَتْ شجوني سحائرك
وَقَدَدْتُ خَصْرَكِ في المخادع مُوصِلًا وَمُؤَصِّلَا
وَلَرُبَّمَا كَانَتْ لِمَحْضِهَا نَشْوَةً
بَدْءُ الْحَيَاةِ وَسِرُّهَا
سِرُّ ذَاكَ الْمَضْجَعِ.
كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مَحْضًا عَابِرًا،
كَانَ الْأَثَاثُ فُتَاتَ قَشٍّ فِي الْبِسَاطِ مُبَعْثَرًا،
ونواة حبٍ
وَوِسَادَةً مِنْ أَضْلُعِي،
وَبَقَايَا عَظْمٍ نَاخِرَةْ.
كُنَّا نَخُوطُ الرَّمْلَ شَكْلَ الدَّائِرَةْ،
وَنَسْتَعِيدُ الذَّاكِرَةْ.
مِنْ أَلْفِ الفٍ نَادَى فِي أَحْشَائِي صَوْتٌ خائفٌ
أَنْ أَجُوبَ وَأَجْتَنِي،
أَنْ أُطَارِدَ أَوْ أُطَارَدَ فِي الْعراء
أَنْ أُجَاهِدَ لِلْبَقَاءْ
سَلَخْتُ فَرْوًا وَاسْتَعَرْتُ بِجَذْوَةٍ،
وَصَقَلْتُ نَبْلًا تَائِهًا مُتَأَرْجِحًا
بَيْنَ انْقِضَاضٍ وَاتِّقَاءْ.
فَالْكُلُّ كَانَ مُدَجَّجًا:
شَرَهُ الضَّوَارِي وَنَابُهَا،
دَسَسُ الْأَفَاعِي وَمَا تَكُنُّهُ مِنْ دَهَاءْ.
حِينَ كَانَ الطَّيْرُ يَحْبُو ثُمَّ يَعْلُو بِرِيشِهْ،
وَيُرَاقِصُ الْغُصْنَ الشَّجِيَّ بِشَدْوِهْ،
مَا كُنَّا نَمْلِكُ حِينَهَا غَيْرَ صَيْحَاتِ النِّدَاءْ.
كُنَّا نُنَاظِرُ لِلسَّمَاءْ
كُنَّا نَلُوكُ اللَّحْمَ نَيْئًا دَامِيًا.
كُنَّا نُلَازِمُ شَمْسَنَا.
كَانَ الصَّقِيعُ يَغُولُ فِي أَجْسَادِنَا.
كَانَ الْكَسِيرُ أَسِيرَ ضَبُعٍ فِي الْفَنَاءِ.
وَدَّعْتُ كَمْ وَدَّعْتُ فِي ذَاكَ الْعَرَاءْ.
أَتَذْكُرِينَ..
حِينَ أَضْرَمْنَا الْمَشَاعِلَ بِالْحَصَى تَصْكُو الْحَصَىٰ،
مَا كُنَّا نَعْلَمُ وَالْمَلَاحِمُ مُرْهَصَهْ.
أَكَانَ حَظًّا أَمْ نِتَاجًا لِلتَّجَارِبِ أَمْ رُؤَىٰ،
أَمْ هَبَاءً مِنْ سَمَاءٍ أَمْ نُفُوثَ السَّاحِرَهْ؟
كُنَّا نُصَلِّي النَّارَ حَمْدًا لِالْتِمَاسِ الْمَغْفِرَهْ،
كُنَّا نَطُوفُ دَوَائِرَهْ،
وَنَسْتَعِيدُ الذَّاكِرَهْ.
وَسَلُوا الْمَنُونَ سَلُوا الْوَرَىٰ:
مَا ذَاقَ مِنْكُمْ شَاهِدٌ طَعْمَ الْكَرَىٰ،
حَتَّىٰ تَشَظَّتْ مِنْ رَحَاهَا شَرَارَةٌ،
حَتَّىٰ غَرَزْتُ الْبَذْرَ فِي رَحِمِ الثَّرَىٰ،
حَتَّىٰ عَجَنْتُ الطِّينَ بَيْتًا مُضْمَرا
حَتَّىٰ قَنِعْتُ الْمَوْتَ دِينًا وَابْتَدَعْتُ الْآخِرَىٰ،
وَبَنَيْتُ مِنْ وَحْيِ الْإِلَهِ سَفِينَتِي.
لا زِلْتُ أَذْكُرُ كَيْفَ كَانَتْ رِحْلَتِي.
—
أَنَا مَنْ تَشَبَّثَ بِالسَّفِينَةِ مُؤْمِنًا وَمُنَادِيًا:
هَذَا الْهِلَالُ سَيَعْبَثُ الطُّوفَانُ فِيهِ.
لا زِلْتُ أَذْكُرُ مَا تَرَتَّبَ حِينَهَا:
لا زَالَ صَوْتُ حَوَافِرِ الْأَنْعَامِ يَضْرِبُ مِسْمَعِي.
أَتَذَكَّرُ الْأَزْوَاجَ حِينَ تَوَافَدَتْ،
وَحِينَ حَالَ الْمَوْجُ بَيْنَ الْمَجْمَعِ.
قِيلَ: يَا أَرْضُ ابْلَعِي،
وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي.
وَغِيضَ الْمَاءْ،
وَقِيلَ: فَوْقَ الْجُودِيِّ ارْسِي وَوَضِّعِي.
أَرْسَتْ وَكَانَتْ لِلْخَلِيقَةِ نَشْوَةٌ
فِي الصَّدْرِ تَخْتَلِجُ اخْتِلَاجَ الْمُرْضِعِ.
هَا هِيَ حُقُولِي وَهَا أَنَا،
مَا زِلْتُ أَلْزَمُ مَوْضِعِي