دم الشهيد معشوق الخزنوي عدالة مؤجلة أم سؤال لن يجيب عنه أحد ؟

الباحثة السياسية جيهان علو

​في أيار من عام ألفين وخمسة، لم يُختطف الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي من قلب دمشق باعتباره صوتاً دينياً لجماعة ما، أو استهدافاً لشخصية دينية إصلاحية، بل باعتباره رمزاً كوردياً حمل في خطابه فكرة المصالحة بين الهوية والكرامة والعدالة إذ كان هذا الاختطاف ثأراً و قراراً أمنياً وسياسياً عاجلاً لضرب التلاحم الكوردي الوطني الذي تبلور بعد انتفاضة عام ألفين وأربعة؛ حيث نُقل الشيخ إلى أقبية المخابرات العسكرية، وتحديداً فرع فلسطين سيئ السمعة وفرع الدوريات، وتعرض هناك لتعذيب منهجي. وكان اختفاؤه بداية فصل جديد من سياسة طويلة هدفت إلى إسكات الأصوات الكوردية التي رفضت الاستبداد و أن تعيش خارج دائرة الاعتراف والحقوق. وبعد أيام من البحث والإنكار والتعتيم، ظهر جثمانه مقطّعاً في أطراف مدينة دير الزور بجريمة هزت الأوساط الكوردية ، ليتحول اغتياله إلى واحدة من أكثر الملفات إيلاماً في الذاكرة الكوردستانية .
​لكن المأساة لم تكن فقط في عملية القتل، بل في ما جاء بعدها؛ في الصمت الذي أحاط بالقضية، وفي الأسئلة التي بقيت بلا إجابات: أيّ ضابط أصدر الأمر؟ من نفذ الجريمة؟ ولماذا لم يتحول اغتيال الخزنوي إلى ملف قضائي مفتوح يكشف الحقيقة كاملة؟ فالشعوب لا تفقد أبناءها فقط عندما يُقتلون، بل تفقد جزءاً من تاريخها عندما يُمنع عنها حق معرفة من قتلهم ولماذا.
​فأسهل الطرق لتدمير أيّ تماسك أو تفاهم كوردي لا تكمن في تصفية أعلامها فحسب، بل أيضاً في حظر الأسئلة التي تلي ذلك، وتحويل القتلة إلى أشباح مجهولي الهوية، والضحايا إلى مجرد أرقام تُطوى بلا محاسبة. وفي الجغرافيا الكوردية، حيث للجبال ذاكرة لا تشيخ وللتراب قدرة على حفظ أسماء الذين حاولت الأنظمة محوهم، بقي ملف معشوق الخزنوي شاهداً على جرح أعمق: جرح العدالة المؤجلة.
​ففي غياهب المعتقلات ذاتها، كانت الفروع الأمنية في دمشق وحلب تدير منظومة قمع واسعة قضى فيها خيرة الشباب الكورد في الأحياء الكوردية كركن الدين وغيرها الذين خرجوا مطالبين بالكرامة والحقوق. ومع ذلك، بقيت تفاصيل التقارير الطبية، وأسماء المتورطين، والوثائق المرتبطة بالجريمة، حبيسة جدران لم تتصدع حتى بعد الهزات الكبرى التي ضربت بنية النظام السوري.
​وهذا الصمت لم يكن حكراً على الجلادين فقط، بل امتد ليصبح حالة سياسية لدى جزء من النخب والأحزاب الكوردية التي لم تفعل ما يكفي. فعندما سنحت فرص تاريخية مع تغير موازين القوى وظهور كيانات سياسية وإدارية جديدة، لم تتحول قضية اغتيال الشيخ الخزنوي وشهداء انتفاضة عام ألفين وأربعة إلى ملفات قانونية واضحة أمام الهيئات القضائية أو الدولية.
​إذ غلبت الحسابات السياسية الآنية والتفاهمات الميدانية المؤقتة على واجب العدالة وكشف الحقيقة، وكأن محاسبة المسؤولين عن الجرائم أصبحت قضية مؤجلة لا تتناسب مع حسابات النفوذ والسياسة. لكن غياب المطالبة القانونية الصارمة لا يعني اختفاء الجريمة، بل يمنح القتلة مساحة من الإفلات، ويحرم عائلات الضحايا والشعب الكوردي من حق أساسي: معرفة الحقيقة وهو أقلّ ما يمكن تقديمه.
​وبدلاً من أن يقود تراكم التضحيات إلى اعتراف بالحقوق ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، شهدت المناطق الكوردية في كوردستان سوريا لاحقاً جرائم جديدة كشفت أن غياب العدالة عن الماضي يفتح الطريق أمام تكرار المأساة في الحاضر. فقد تحولت أدوات القمع من غرف التعذيب المغلقة إلى مشاهد علنية وثقتها الكاميرات والمنظمات الحقوقية.
​والجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين والمقاتلين في مناطق روجافا وغيرها لم تكن مجرد تجاوزات فردية، بل جاءت ضمن مناخ سياسي يسمح بالإفلات من العقاب. فحين لا يُحاسب المسؤولون عن جرائم الأمس، يشعر مرتكبو جرائم اليوم بأنهم يملكون الضوء الأخضر لتكرار القسوة نفسها بأشكال جديدة.
​والسلام الذي يُبنى فوق مقابر مغلقة وصمت مفروض ليس سلاماً حقيقياً، بل هدنة مؤقتة تخفي جراحاً أعمق. ولا يمكن بناء سوريا جديدة قائمة على المواطنة والعدالة من دون مواجهة الماضي وفتح الملفات التي أُغلقت بالقوة.
​وكشف الحقيقة حول اغتيال الشيخ معشوق الخزنوي، وفتح الأرشيفات الأمنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ليس مطلباً انتقامياً، بل شرطاً أساسياً لأي مصالحة حقيقية وعدالة انتقالية متكاملة. فدماء الشهداء لا تطلب الثأر، بل تطلب العدالة .
​واسم معشوق الخزنوي يبقى شاهداً على مرحلة حاول فيها الاستبداد إسكات صوت كوردي حرّ، لكنه ترك وراءه سؤالاً أكبر من الجريمة نفسها: كيف يمكن لشعب أن يبني مستقبله إذا لم يحصل على حقه في معرفة من سرق منه أبناءه في عهد النظام البائد وعاد وسرق أبناءه في عهد الحكومة المؤقتة ولم يُقدم لليوم أيّ متورط بدماء الكورد للمحاسبة أمام القضاء السوري وسط صمت الأحزاب الكوردية التي أهملت هذا الواجب الوطني ؟

قد يعجبك ايضا