عطا شميراني
في العلاقات الدولية، لا تتحرك الدول بدافع العواطف، وإنما وفق حسابات الأمن القومي وموازين القوة والجغرافيا السياسية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه إقليم كردستان العراق من خلال بيانات الحرس الثوري أو العمليات العسكرية المتفرقة وحدها، لأن ما يظهر على السطح ليس سوى انعكاس لمنظومة أمنية راسخة تشكلت منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.
في العقل الاستراتيجي الإيراني، لا تمثل الحدود الغربية مجرد خط يفصل بين دولتين، بل تشكل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي الإيراني. ولهذا السبب، تنظر طهران إلى إقليم كردستان بوصفه مساحة ذات أهمية استثنائية؛ ليس لأنه كيان معادٍ لها، بل لأنه يقع عند تقاطع ثلاثة عناصر شديدة الحساسية: المسألة الكردية داخل إيران، والتنافس الإقليمي، والحضور الغربي في المنطقة.
والمفارقة أن إقليم كردستان، منذ تأسيسه ضمن النظام الفيدرالي العراقي، انتهج سياسة تقوم على الانفتاح والتوازن، وسعى إلى بناء علاقات طبيعية مع جميع جيرانه، بمن فيهم إيران. إلا أن العقل الأمني الإيراني لا يقيس التهديد بالنوايا المعلنة فقط، بل بالإمكانات المستقبلية. لذلك، يبقى الإقليم حاضرًا في الحسابات الأمنية الإيرانية باعتباره منطقة يمكن أن تتحول، في ظروف إقليمية معينة، إلى نقطة ضغط جيوسياسي.
لا شك أن أحد أبرز دوافع القلق الإيراني يتمثل في الملف الكردي الداخلي. فإيران تضم ملايين المواطنين الكرد، وقد شهدت مناطقها الكردية خلال العقود الماضية احتجاجات وحركات معارضة متفاوتة. ومن هنا، تنظر المؤسسة الأمنية الإيرانية إلى أي نشاط للجماعات الكردية المسلحة على الجانب العراقي من الحدود بوصفه تهديدًا مباشرًا، حتى وإن كانت حكومة إقليم كردستان تعلن باستمرار أنها لا تسمح باستخدام أراضيها للاعتداء على دول الجوار.
لكن اختزال العلاقة بين إيران والإقليم في هذا البعد الأمني وحده سيكون تبسيطًا للمشهد. فإقليم كردستان يمثل أيضًا مساحة سياسية واقتصادية منفتحة على العالم، ويستضيف استثمارات أجنبية، ويتمتع بعلاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وتركيا. وهذه الانفتاحات تمنح الإقليم أهمية تتجاوز حجمه الجغرافي، وتجعله حاضرًا في معادلات التوازن الإقليمي.
كما أن إيران تنظر بقلق إلى أي حضور استخباراتي أو أمني لدول تعتبرها خصومًا على مقربة من حدودها الغربية. وفي العقيدة الأمنية الإيرانية، لا يُنظر إلى التهديد بعد وقوعه، بل يجري التعامل معه قبل أن يتحول إلى واقع. ولذلك، كثيرًا ما تعتمد طهران سياسة الضربات الاستباقية أو الضغوط السياسية والعسكرية عندما تعتقد أن مصالحها الاستراتيجية معرضة للخطر.
في المقابل، يتمسك إقليم كردستان بسياسة مختلفة تقوم على محاولة الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف. فالإقليم يدرك أن موقعه الجغرافي يفرض عليه التعايش مع جيرانه، وأن أي انحياز حاد إلى محور إقليمي قد يجعله أول المتضررين من الصراعات. ولهذا، سعت قيادته في مراحل مختلفة إلى لعب دور الجسر بين القوى المتنافسة بدل أن تكون جزءًا من المواجهة.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الثقة المتبادلة. فإيران تنظر إلى كثير من التحركات في الإقليم من زاوية أمنية، بينما يرى الإقليم أن العمليات العسكرية العابرة للحدود تمثل انتهاكًا للسيادة العراقية وتهدد استقرار مناطقه الحدودية. ومع استمرار هذه الفجوة في الرؤى، تتكرر الأزمات دون الوصول إلى معالجة جذرية.
ومن زاوية أوسع، فإن استقرار إقليم كردستان لا يخدم الكرد وحدهم، بل يخدم إيران والعراق وتركيا أيضًا. فالإقليم أصبح خلال السنوات الماضية مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا مهمًا، كما تحول إلى منفذ حيوي للتبادل التجاري والاستثمارات. وأي اضطراب أمني فيه سينعكس سلبًا على المنطقة بأسرها، بما في ذلك الاقتصاد الإيراني نفسه.
إن التجارب الحديثة في الشرق الأوسط أثبتت أن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها. فقد أنفقت دول المنطقة مليارات الدولارات على السلاح، ومع ذلك بقيت الأزمات تتجدد لأن جذورها سياسية قبل أن تكون عسكرية. فالأمن الحقيقي يُبنى على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والالتزام بسيادة الدول، ووجود قنوات دائمة للحوار.
ولعل ما تحتاجه العلاقة بين إيران وإقليم كردستان اليوم ليس مزيدًا من التصعيد، بل بناء إطار أمني وسياسي أكثر استقرارًا، تشارك فيه بغداد بوصفها صاحبة السيادة، وأربيل باعتبارها شريكًا دستوريًا، وطهران باعتبارها دولة جارة ترتبط بمصالح واسعة مع العراق. فالتعاون الأمني المنظم أكثر فاعلية واستدامة من سياسة الرسائل العسكرية التي غالبًا ما يدفع المدنيون ثمنها.
في النهاية، لا يبدو أن إيران تخشى إقليم كردستان بوصفه خصمًا سياسيًا، بقدر ما تخشى ما يمكن أن يمثله في معادلات الأمن الإقليمي إذا خرجت التطورات عن سيطرتها. لكن التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا لا تتغير، وأن حسن الجوار ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية. وكلما أدركت دول المنطقة أن الاستقرار يصنعه الحوار أكثر مما تصنعه القوة، اقترب الشرق الأوسط خطوة من الخروج من دائرة الأزمات المزمنة، وتحولت الحدود من خطوط للتوتر إلى جسور للمصالح والتعاون.