ما بعد الصواريخ والمسيّرات الايرانية البعد النفسي ومستقبل إقليم كردستان بين تهديدات الخارج وحلم العودة
كاوه عمر
باحث في القانون الدولي والشؤون السياسية
لا تقتصر آثار القصف الإيراني وهجمات الميليشيات والفصائل العراقية المرتبطة بطهران على الخسائر البشرية والمادية المباشرة في إقليم كردستان العراق، بل تمتد إلى مساحة أقل ظهوراً وأكثر عمقاً، تتمثل في الوعي النفسي الجماعي للسكان الاقليم فالصاروخ الذي يسقط قرب منطقة سكنية، والطائرة المسيّرة التي تحلق فوق المدن، لا تنتهي آثارهما بانتهاء صوت الانفجار، بل قد يتركان خوفاً مزمناً، وشعوراً بعدم الأمان، وقلقاً دائماً بشأن المستقبل.
خلال السنوات الماضية، تعرض الإقليم لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، بصورة مباشرة أو عبر جماعات مسلحة مرتبطة بإيران. وقد استهدفت هذه الهجمات مواقع ومنشآت مختلفة، لكنها عرّضت المدنيين والمناطق السكنية والبنية التحتية والأمن الاقتصادي للخطر. ومهما كانت المبررات السياسية أو الأمنية التي تقدمها الجهات المنفذة، تبقى النتيجة واحدة هناك أسر تخشى على أطفالها، ومجتمع يحاول بناء مستقبله بينما تُفرض عليه أجواء حرب لم يخترها، وليس له فيها، كما يقول المثل العربي، لا ناقة ولا جمل.
عندما تصبح أخبار الصواريخ والمسيّرات جزءاً من الحياة اليومية، يدخل السكان في حالة انتظار دائمة للخطر, وقد يتحول صوت طائرة، أو انفجار بعيد، أو انقطاع مفاجئ للكهرباء، أو حتى خبر غير مؤكد على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مصدر للذعر. وتظهر هذه الآثار في اضطرابات النوم والكوابيس والتوتر وسرعة الغضب وصعوبة التركيز والخوف المفرط على الأطفال, ومع تكرار الهجمات، لا يحصل المجتمع على الوقت الكافي للتعافي، إذ يعيد كل تهديد جديد مشاعر الخوف وعدم الاستقرار الى الذاكرة.
المشكلة ان الأطفال يتحمل العبء الأخطر فالطفل لا يفهم أبعاد الصراع بين الدول، لكنه يفهم خوف والديه، ويسمع الانفجارات، ويرى أسرته تبحث عن مكان آمن. وقد تظهر الصدمة من خلال الخوف من النوم، أو التراجع الدراسي، أو العزلة، أو السلوك العدواني، أو التشبث المفرط بالوالدين. والمشكلة الأعمق هي اهتزاز فكرة الوطن الآمن في داخله. لذلك لا تكفي الحماية الجسدية، بل يجب توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتدريب المدارس والمعلمين والأسر على التعامل مع الصدمات.
ومع استمرار الخطر، يطرح المواطن سؤالاً أساسياً وهو من يحمينا؟ فعندما تعجز الحكومة العراقية عن منع انتهاك أراضيها، أو لا تكون ردودها متناسبة مع خطورة الاعتداءات، يشعر سكان الإقليم بأن أمنهم لا يحظى بالحماية الكافية. كما يتنامى الشعور بأن كردستان أصبحت ساحة لتوجيه الرسائل العسكرية وتصفية الحسابات بين إيران والولايات المتحدة والميليشيات المسلحة. وهذا يضعف الثقة بالمؤسسات الاتحادية، ويزيد الضغوط على حكومة الإقليم كردستان.
ورغم هذه التهديدات، استطاع إقليم كردستان خلال العقود الماضية أن يقدم صورة مختلفة عن الصورة التقليدية المرتبطة بالعراق من حروب ودمار. فالزائر إلى أربيل ومدن الإقليم يشاهد توسعاً عمرانياً ومشروعات حديثة ومراكز تجارية وسياحية وطرقاً ومناطق سكنية جديدة, وقد جعل هذا التطور كثيراً من الزوار يتساءلون إن كانت كردستان قد أصبحت شبيهة بدبي من حيث العمران والانفتاح.
وقبل أيام، كنت ضيفاً لدى عائلة مسيحية تعيش قرب ستوكهولم، الزوج كلداني من أربيل والزوجة سريانية. روى الزوج أنه عندما زار أربيل مع أسرته عام 2024، فوجئ ابنه بالأضواء والمباني والحياة الحضرية، وسأل والديه بدهشة: «هل نحن في لاس فيغاس أم في العراق؟». هذه العبارة العفوية تختصر انطباع كثير من الزوار الذين يكتشفون واقعاً مختلفاً عن الصورة التي تصل إليهم عن العراق.
لقد تحقق جانب مهم من هذا التطور في ظل حكومة إقليم كردستان بقيادة رئيس الوزراء مسرور بارزاني، من خلال تطوير البنية التحتية وتشجيع الاستثمار وتحديث الخدمات, ومن الطبيعي أن تبقى هناك تحديات اقتصادية وإدارية واجتماعية تستحق النقد والمعالجة، لكن ذلك لا يلغي حجم التحول العمراني والانطباع الإيجابي لدى الزوار.
هذا التطور يرتبط أيضاً بحلم العودة لدى الكورد في المهجر. فكثيرون يفكرون في العودة للمساهمة بخبراتهم ومعارفهم ورؤوس أموالهم والعيش بين أهلهم, وبينهم أطباء ومهندسون وأساتذة وقانونيون ورجال أعمال ومتخصصون في التكنولوجيا والإدارة. لكن العودة لا تعتمد على الحنين وحده، بل تحتاج إلى الأمن والاستقرار، ومدارس جيدة، وفرص عمل، وخدمات صحية، وقضاء موثوق، واقتصاد قادر على استيعاب الكفاءات.
هنا يظهر الخطر الاستراتيجي للهجمات. فهي لا تهدد السكان داخل الإقليم فقط، بل تؤثر أيضاً في قرارات أبناء المهجر, فالشخص الذي يفكر في العودة قد يتراجع عندما يرى أن المدن والمطارات والمنشآت الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى أهداف, وقد يتردد المستثمر في إنشاء مشروع طويل الأمد، بينما يفكر الشباب داخل الإقليم في الهجرة. وهكذا قد تنشأ حالة من «النزوح النفسي»، حين يشعر الإنسان بأنه غير قادر على بناء مستقبله في وطنه حتى قبل أن يغادره.
كما تؤثر الهجمات في الاقتصاد والسياحة والاستثمار فالشركات تبحث عن الاستقرار، والسائح يختار المكان الآمن، والعائلات تضع مستقبل أطفالها أولاً. وقد يؤدي استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية إلى البطالة وتراجع الإيرادات والضغط على الخدمات. كما يمكن أن تشوه التهديدات الصورة الإيجابية التي بناها الإقليم خلال سنوات.
ويمتلك إقليم كردستان موقعاً جغرافياً وسياسياً حساساً، لقربه من إيران وتركيا وسوريا، وعلاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا، واستضافته بعثات دبلوماسية وشركات دولية وهذه المكانة تمنحه أهمية كبيرة، لكنها تعرضه أيضاً لخطر التحول إلى ساحة حرب بالوكالة, ومع ذلك لا يجوز تحويل المدنيين إلى وسيلة لإرسال الرسائل العسكرية، أو التعامل مع أراضي الإقليم كمنطقة مفتوحة للعمليات العابرة للحدود فاحترام سيادة الإقليم هو جزء من احترام سيادة العراق، وحماية سكانه مسؤولية الحكومة الاتحادية أولاً.
يمكن تصور ثلاثة مسارات للمستقبل. الأول هو الاعتياد على الخطر وتطبيع الهجمات، وهو المسار الأخطر. والثاني هو الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها، مثل الدفاعات الجوية وحماية المنشآت، وهي ضرورية لكنها غير كافية. أما الثالث، والأكثر استدامة، فيجمع بين الحماية الأمنية والتحرك السياسي والدبلوماسي والقانوني، إلى جانب معالجة الآثار النفسية والاجتماعية على السكان.
يتطلب ذلك تعزيز الدفاع المدني والإنذار المبكر، وتوثيق الهجمات والخسائر، والتحقيق في أضرار المدنيين، ومطالبة الحكومة الاتحادية بتحمل مسؤولياتها الدستورية، والتحرك أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن عند الضرورة. كما يجب توسيع برامج الدعم النفسي في المدارس والجامعات والمراكز الصحية، لأن الصحة النفسية ليست قضية ثانوية، بل جزء من الأمن القومي.
إن الدفاع عن إقليم كردستان لا يعني حماية الأرض والمنشآت فقط، بل حماية ذاكرة المجتمع وثقته بالمستقبل، وحلم المهاجر في العودة، وحق الطفل في أن ينشأ داخل وطن آمن, فالمجتمع الذي يعيش تحت تهديد دائم قد ينجو جسدياً، لكنه يخسر تدريجياً ثقته بنفسه وقدرته على البناء ومن هنا، فإن حماية الأمن والاستقرار والصحة النفسية في الإقليم هي حماية للإنسان والسيادة والإنجازات وحق الأجيال المقبلة في العيش بلا خوف.