**أوتار عابرة للهويات: مجتبى ميرزاده وهندسة الفلكلور المشترك في الشرق الأوسط**

د. فاضل علي
باحث في شؤون ثقافات ولغات شعوب الشرق الأوسط

تظل منطقة الشرق الأوسط، بكل تعقيداتها الجغرافية والسياسية، واحة غنية بالتثاقف والتداخل الحضاري الذي يعيد صياغة الهويات المحلية ويمنحها أبعاداً إنسانية شاسعة. وفي قلب هذا الموزاييك الثقافي، تبرز لغة الموسيقى كأداة وحيدة قادرة على إذابة الحدود اللغوية والقومية، لتصنع فضاءً تعبيرياً مشتركاً. ولعل تجربة الموسيقار الراحل سيد مجتبى ميرزاده (1946–2005) تمثل النموذج الأبرز للفنان الذي تحول بمفرده إلى جسر نغمي يربط بين وجدان شعوب متعددة؛ فجمع في أوتاره بين روح الموروث الفارسي، وعنفوان الأغنية الكردية، وشجن الفلكلور اللّري واللكي.

**كرمانشاه: البيئة الحاضنة للتعددية اللغوية والثقافية**

لا يمكن فهم عبقرية ميرزاده بمعزل عن بيئته الأولى؛ فقد ولد في مدينة كرمانشاه، وهي حيز جغرافي وثقافي فريد يمثل نقطة تلاقٍ حيوية بين لغات ولهجات متباينة. في هذه الحاضرة، حيث تنصهر الكردية بالفارسية وتتقاطع مع امتدادات اللرية واللكية، نشأ وعي ميرزاده السمعي.

ورغم كونه فناناً عصامياً فك شفرات آلة الكمان عبر الإنصات الشغوف لبرامج الإذاعة ودون توجيه أكاديمي مباشر، إلا أن مخيلته اختزنت الإيقاعات الجبلية والتواشيح التراثية للمنطقة. هذا التعدد اللغوي والبيئي المحيط به لم يكن مجرد خلفية جغرافية، بل تحول إلى مادة خام صاغ منها لاحقاً لغته الموسيقية العالمية التي ميزت ظهوره المبكر في مسابقات “مخيم رامسر” الوطني وحصوله على المركز الأول.

**هندسة الفلكلور المشترك: من المحلية إلى الفضاء الأوركسترالي**

تتجلى القيمة البحثية والفنية لمسيرة ميرزاده في قدرته الفائقة على تدوين وتوزيع الموروث الشفهي لشعوب المنطقة، ونقله من حيز الأداء الأحادي التعبيري (المنوفوني) إلى البناء الفوليفوني المركب، دون المساس بأصالة اللحن وميزته القومية:

• **أرشفة وتطوير الأغنية الكردية**: من خلال قيادته لأوركسترا راديو كرمانشاه، شكّل ميرزاده ثنائياً تاريخياً مع أيقونة الغناء الكردي حسن زيرك. أسهمت رؤيته التوزيعية في إعادة صياغة روائع مثل “نوروز” و”بارانه”، مما منح الأغنية الكردية الحديثة بنية أوركسترالية متماسكة جعلتها قادرة على تخطي حدودها المحلية لتخاطب مستمعين من ثقافات أخرى، وهو ما تكرر لاحقاً في تعاونه مع مظهر خالقي وناصر رزازي.

• **إعادة إحياء التراث اللّري واللكي**: امتد اهتمام ميرزاده البنيوي إلى فلكلور لورستان، حيث قدم رفقة الفنان الشجي رضا سقائي صياغات لحنية ملحمية. ويبرز هنا توزيعه العبقري لأغنية “بزران بزران” (التي تمثل الخصوصية اللغوية والتراثية للشعب اللكي)، وأغنية “دايه دايه” الشهيرة. لقد استطاع ميرزاده أن يبرز الشجن الكامن في هذه اللهجات والمقامات الجبلية، مستخدماً آلات النفخ والوتريات لتعميق الأبعاد الدرامية والإنسانية للنص الفلكلوري.

**فلسفة الآلة: احترام الاستقلالية الثقافية للنغم**

في دراستنا لثقافات الشرق الأوسط، نجد أن التثاقف قد يؤدي أحياناً إلى ذوبان الهويات الصغرى في الهويات المهيمنة، لكن ميرزاده كان يملك وعياً نقدياً حذراً تجاه هذه المسألة. وتجلى ذلك في تمسكه الصارم بالفصل بين تقنيات آلة “الكمانجة” الشرقية وآلة “الكمان” الكلاسيكية الغربية.

“إن لكل آلة روحاً تعبيرية مستقلة تنبثق من تاريخ وثقافة الشعب الذي صاغها، وإن إخضاع الكمانجة لأسلوب عزف الكمان هو تشويه لهويتها الحية.”
— مجتبى ميرزاده

هذا الالتزام المعرفي جعله يطور أسلوبين متوازيين؛ فعلى الكمان كان عازفاً رشيقاً يطوع التقنيات الغربية لخدمة الجملة الموسيقية الفارسية الكلاسيكية والپاپ، بينما كانت كمانجته في الأعمال الكردية واللّيرية تنطق بلغة برية، حرة، وصادقة تعكس جغرافيا زاغروس الشامخة.

**خاتمة: الإرث الإنساني العابر للحدود**

إن قراءة مسيرة مجتبى ميرزاده من منظور أنثروبولوجي وثقافي تؤكد أن الثراء الحقيقي لثقافات الشرق الأوسط يكمن في مناطق التماس والتفاعل بين شعوبها. لم يكن ميرزاده مجرد صانع ألحان ومؤلف للموسيقى التصويرية لأكثر من 40 فيلماً سينمائياً، بل كان مؤرخاً نغمياً حفظ وجدان شعوب المنطقة، ودوّن بآلته ذكرياتهم، وأفراحهم، وآلامهم المشتركة. رحل ميرزاده، لكن أوتاره بقيت شاهداً حياً على أن الهويات الثقافية في منطقتنا لا تلغي بعضها بعضاً، بل تتكامل لتصنع سمفونية إنسانية خالدة.

قد يعجبك ايضا