القانون الدولي العام وإدارة المخاطر الناشئة عن الحوسبة الكمية

د. رزكار حمة رحيم بينجويني

يشهد النظام القانوني الدولي في العقود الأخيرة تحولات عميقة فرضتها الثورة الرقمية، إلا أن الحوسبة الكمية تمثل مرحلة مختلفة نوعياً عن جميع المراحل السابقة، لأنها لا تقتصر على زيادة سرعة معالجة البيانات أو تطوير وسائل الاتصال، وإنما تؤسس لتحول جذري في طبيعة القوة التقنية ذاتها، بما يجعلها عاملاً مؤثراً في توزيع مراكز النفوذ داخل المجتمع الدولي، وفي إعادة تعريف مصادر التهديد التي تواجه الدول والمنظمات الدولية والأفراد. فالحاسوب الكمي يمتلك قدرة حسابية تتجاوز بصورة هائلة الإمكانات التقليدية، الأمر الذي يمنحه إمكانية معالجة مسائل رياضية معقدة خلال مدد زمنية قصيرة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أنظمة التشفير التي تقوم عليها البنية الرقمية العالمية، بدءاً من الاتصالات الحكومية والعسكرية، وانتهاءً بالمعاملات المالية والتجارية وشبكات الطاقة والنقل والرعاية الصحية. ومن ثم فإن المخاطر الناشئة عن هذه التقنية لم تعد تندرج ضمن نطاق الأمن السيبراني التقليدي، وإنما أصبحت تمثل تحدياً جديداً للقانون الدولي العام الذي يجد نفسه أمام ظاهرة تقنية عابرة للحدود لا يمكن احتواؤها من خلال الأدوات القانونية الكلاسيكية وحدها.

وتنبع خصوصية الحوسبة الكمية من أنها تجمع بين الطابع العلمي السلمي والطابع الاستراتيجي العسكري في آن واحد، فهي تتيح فرصاً هائلة لتطوير الطب والعلوم والاقتصاد والطاقة والذكاء الاصطناعي، لكنها في المقابل تفتح المجال أمام استخدامات قد تؤدي إلى انهيار منظومات الحماية الرقمية التي يعتمد عليها المجتمع الدولي في إدارة مؤسساته الحيوية. ومن هنا فإن القانون الدولي العام لم يعد معنياً بتنظيم النتائج المترتبة على استخدام القوة العسكرية التقليدية فحسب، وإنما أصبح مطالباً بوضع قواعد قانونية تستوعب المخاطر المحتملة للتقنيات الثورية قبل تحولها إلى مصدر فعلي لعدم الاستقرار الدولي، وهو ما يعكس انتقال الفكر القانوني الدولي من مرحلة الاستجابة للأضرار بعد وقوعها إلى مرحلة الإدارة الاستباقية للمخاطر التقنية.

ويترتب على ذلك أن مفهوم الأمن الدولي لم يعد مقتصراً على حماية الحدود الإقليمية للدول أو مواجهة النزاعات المسلحة، بل أصبح يشمل حماية الفضاء الرقمي العالمي باعتباره أحد المكونات الأساسية للاستقرار الدولي. فتعطيل البنية الرقمية لدولة ما بواسطة وسائل كمية قد يؤدي إلى نتائج تماثل في آثارها استخدام القوة التقليدية، إذا ترتب عليه انهيار الأنظمة المالية أو توقف المستشفيات أو شبكات الكهرباء أو أنظمة الملاحة الجوية أو الاتصالات الحكومية، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في معايير تقدير التهديدات الدولية، بحيث لا يكون معيار القوة مرتبطاً بحجم الجيوش والأسلحة فحسب، وإنما بقدرة الدول على امتلاك التقنيات الكمية وتأمينها وإدارة مخاطرها.

وفي هذا السياق يبرز مبدأ السيادة بوصفه أحد أكثر المبادئ القانونية تأثراً بالحوسبة الكمية، إذ لم تعد السيادة تقتصر على السيطرة على الإقليم والسكان والموارد الطبيعية، وإنما امتدت لتشمل السيطرة على البيانات الوطنية والبنية الرقمية والخوارزميات وأنظمة التشفير ومراكز البيانات وشبكات الاتصال. وأصبحت حماية هذه العناصر جزءاً من مضمون السيادة الحديثة، لأن فقدان القدرة على تأمينها قد يؤدي إلى تقويض استقلال القرار الوطني حتى من دون احتلال إقليم الدولة أو استخدام القوة المسلحة ضدها. ومن ثم فإن السيادة الرقمية في عصر الحوسبة الكمية تمثل امتداداً طبيعياً لمفهوم السيادة في القانون الدولي العام، لكنها تضيف إليه بعداً تقنياً يفرض التزامات قانونية جديدة على الدول فيما يتعلق بحماية بنيتها المعلوماتية وتعزيز جاهزيتها لمواجهة الأخطار الناشئة عن الثورة الكمية.

كما أن مبدأ عدم الإضرار بالدول الأخرى يكتسب بعداً أكثر تعقيداً في ظل هذه التقنية، لأن الضرر لم يعد يشترط أن يكون مادياً أو مباشراً، بل قد يتحقق من خلال اختراق الأنظمة الرقمية أو فك وسائل التشفير أو الحصول على معلومات سيادية أو اقتصادية ذات طبيعة استراتيجية. لذلك فإن الدولة التي تطور قدرات كمية متقدمة تصبح ملزمة بعدم استخدامها على نحو يؤدي إلى الإضرار بالمصالح المشروعة للدول الأخرى، وهو التزام يجد أساسه في المبادئ المستقرة للقانون الدولي المتعلقة بحسن الجوار والتعاون الدولي ومنع إساءة استعمال الحقوق.

ويتصل بذلك مبدأ العناية الواجبة الذي أصبح يحتل مكانة متزايدة في الفقه والممارسة الدوليين، إذ لم يعد يقتصر على التزام الدولة بمنع استخدام إقليمها للإضرار بالغير، وإنما يمتد إلى التزامها باتخاذ التدابير التشريعية والتنظيمية والتقنية الكفيلة بمنع إساءة استخدام البنية الرقمية الخاضعة لولايتها. وفي بيئة الحوسبة الكمية يفرض هذا المبدأ على الدول إنشاء منظومات متقدمة لإدارة المخاطر، وتقييم مستويات التهديد بصورة دورية، وتعزيز أمن البيانات الوطنية، ووضع معايير صارمة لحماية المؤسسات الحيوية، لأن الإخفاق في اتخاذ هذه التدابير قد يؤدي إلى قيام مسؤوليتها الدولية إذا ترتب عليه ضرر عابر للحدود كان بالإمكان توقعه أو الحد من آثاره من خلال إجراءات وقائية معقولة.

قد يعجبك ايضا