هل سقطت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران؟

محمد علي الحيدري

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت العلاقات الأميركية الإيرانية تشهد أزمة جديدة، بل ما إذا كانت مذكرة التفاهم التي وُقعت قبل أسابيع قد فقدت قيمتها السياسية قبل أن تُختبر عملياً.

فالخطاب الصادر من واشنطن، مقروناً باستئناف الضغوط العسكرية والاقتصادية، يوحي بأن الإدارة الأميركية تتعامل مع المذكرة بوصفها صفحة أُغلقت، لا اتفاقاً يحتاج إلى إصلاح. وفي المقابل، ترى طهران أن واشنطن هي التي أخلّت بالتزاماتها، وأنها لا تزال صاحبة الموقف المتمسك بروح التفاهم ونصه، الأمر الذي يجعل كل طرف يتهم الآخر بإسقاط الاتفاق.

لكن القراءة المهنية تشير إلى أن ما سقط ليس بالضرورة فكرة التفاوض، وإنما البيئة السياسية التي سمحت بولادة المذكرة.

لقد قامت مذكرة التفاهم منذ البداية على افتراض بسيط: وقف التصعيد مؤقتاً، وفتح نافذة زمنية محددة للانتقال إلى مفاوضات أكثر عمقاً بشأن البرنامج النووي والعقوبات وأمن الخليج وحرية الملاحة. ولم تكن المذكرة اتفاق سلام نهائياً، بل إطاراً لإدارة الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة.

غير أن هذا النوع من التفاهمات يعيش على الثقة أكثر مما يعيش على النصوص. وعندما تعود لغة التهديد، وتتصاعد الاتهامات، وتُستخدم أدوات الضغط مجدداً، فإن النص السياسي يفقد قيمته العملية حتى لو لم يُعلن أحد إلغاءه رسمياً.

ومع ذلك، فإن إعلان وفاة المذكرة لا يعني بالضرورة العودة إلى الحرب الشاملة.

فالولايات المتحدة لا تبدو راغبة في حرب واسعة مع إيران، لأنها تدرك الكلفة الاستراتيجية لمثل هذا الخيار. كما أن إيران، رغم خطابها التصعيدي، تعرف أن مواجهة عسكرية مفتوحة مع واشنطن ستضع اقتصادها واستقرارها الداخلي أمام تحديات قد يصعب احتواؤها.

لهذا تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ”الصراع المنضبط”: ضغط متبادل، رسائل ردع، اختبار حدود القوة، ومحاولة تحسين شروط التفاوض من دون الاعتراف بالحاجة إليه سياسياً.

وهنا تكمن المفارقة.

فكلما ارتفع مستوى التصعيد العلني، ازدادت الحاجة إلى قنوات اتصال غير معلنة. وتجارب العلاقات الأميركية الإيرانية خلال العقود الماضية تثبت أن أشد فترات التوتر كانت غالباً تترافق مع مفاوضات تجري بعيداً عن الأضواء، سواء عبر وسطاء إقليميين أو قنوات أمنية ودبلوماسية غير مباشرة.

لذلك، فإن السؤال الأدق ليس: هل سقطت مذكرة التفاهم؟

بل: هل ما زالت المصالح التي أنتجتها قائمة؟

إذا كانت تلك المصالح قد اختفت، فإن المذكرة أصبحت بالفعل جزءاً من الماضي.

أما إذا بقي الطرفان مقتنعين بأن البديل عن التفاهم هو مواجهة لا يريدها أي منهما، فإن ما نشهده اليوم قد يكون انهياراً سياسياً للمذكرة، لا نهاية لمسار التفاوض نفسه.

وفي السياسة الدولية، كثيراً ما تموت الاتفاقات على الورق، لكنها تعود بأسماء جديدة عندما تدرك الأطراف أن كلفة القطيعة أعلى من كلفة التسوية.

ولهذا قد لا تكون مذكرة التفاهم قد انتهت تماماً، بل دخلت مرحلة “الموت السريري”؛ مرحلة يتوقف فيها العمل بها، بينما تبقى فكرة العودة إليها، أو إلى صيغة شبيهة بها، خياراً قائماً متى ما تغيرت حسابات القوة والمصلحة.

قد يعجبك ايضا