نجمة إيطاليا على صدر نيجيرفان بارزاني.. حينما يعترفُ الغربُ بالسيادةِ قبلَ أن تعترفَ بها الخرائط!

فينوس بابان

في بيئة جيوسياسية مشحونة بالاضطرابات مثل الشرق الأوسط لا يمكن قراءة الأوسمة الدبلوماسية الرفيعة كالتفاتات بروتوكولية عابرة أو مجرد مجاملات دولية سياقية، إن قرار رئيس الجمهورية الإيطالية بتوجيه من وزارة الخارجية في روما، بمنح رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني وسام نجمة إيطاليا (Ordine della Stella d’Italia) برتبة مقلد كبير (Grande Ufficiale) هو في جوهره إعلان سياسي مشفر يحمل دلالات استراتيجية عميقة، هذا التكريم الذي يمثّل واحدة من أرفع درجات التكريم في النظام التراتبي للجمهورية الإيطالية لا يختزل فقط مسيرة من العلاقات الثنائية بل يقدّم وثيقة اعتراف دولي صريحة بـ هندسة الاستقرار التي يقودها بارزاني واعترافاً بأربيل كشريك موثوق وعابر للأزمات في حسابات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي الناتو.

التوقيت والجيوبوليتيك.. موازنات الطاقة والعقيدة الأمنية
لصناعة فهم دقيق لخلفيات هذا التوسيم يجب تفكيك السياق الدولي الراهن الذي قاد روما إلى اتخاذ هذه الخطوة إيطاليا، بصفتها ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو وعضواً محورياً في صناعة القرار الأوروبي،لا تمنح رتبة المقلد الكبير إلا لمن أحدث فارقاً ملموساً في حماية المصالح المشتركة والتي تتبلور اليوم في ملفين سياديين:
معادلة أمن الطاقة غير المعلنة.. في ظل السعي الأوروبي الحثيث والمستمر لتأمين وتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن بؤر الصراع التقليدية يبرز إقليم كوردستان كعمق استراتيجي واعد في الحسابات الغربية مستقبلاً إن الدبلوماسية الهادئة التي انتهجها السيد نيجيرفان بارزاني نجحت في الحفاظ على بيئة استثمارية آمنة ومستقرة جذبت كبريات الشركات العالمية ووفرت الضمانات السياسية لحماية التدفقات الاقتصادية وهو ما تراقبه روما عبر عملاق الطاقة الإيطالي ENI بعين الشريك الحريص على ديمومة الاستقرار.
العقيدة الأمنية المشتركة ومكافحة الإرهاب.. تقود إيطاليا دوراً قيادياً ومحورياً ضمن بعثة حلف الناتو في العراق NATO Mission Iraq لى جانب تواجدها الفاعل في التحالف الدولي ضد داعش، منح هذا الوسام هو تحية عسكرية ودبلوماسية لشخص رئيس الإقليم، الذي أدار على مدى سنوات طويلة ملف التنسيق الأمني الحرج وضمن توفير الحماية والدعم اللوجستي للمستشارين والقوات الأوروبية محولاً إقليم كوردستان إلى مصدّ جيوسياسي صلب في وجه التمدد الراديكالي.

بصمة نيجيرفان بارزاني.. دبلوماسية العقل الراجح
إن القوة التحليلية لهذا الوسام تكمن في كونه لم يُمنح لصفة وظيفية بل لـ منهجية سياسية تميز بها السيد نيجيرفان بارزاني تقوم على ركيزتين أساسيتين حظيتا باحترام وتثمين المجتمع الدولي:
دبلوماسية التصفير والتوازن البنيوي.. في وقت تشتعل فيه الأزمات بين العواصم تميزت مدرسة نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان بالقدرة على تفكيك العقد المستعصية بين أربيل وبغداد والاعتماد على مرونة الحوار البنّاء بدلاً من التصعيد الصِفري، هذا النمط من العقلانية السياسية يتقاطع تماماً مع الرغبة الأوروبية التي تفضل دائماً التعامل مع قادة إقليميين قادرين على استيعاب الصدمات وتوطيد السلم الأهلي مما جعل منه محاوراً مقبولاً وموثوقاً لدى كافة الأطراف الإقليمية الدولية.
المأسسة الإنسانية وحماية التعددية.. تمتلك إيطاليا إرثاً ثقافياً وتاريخياً يفرض عليها وضع ملف حماية الأقليات الدينية والقومية في مقدمة أولوياتها الخارجية في الشرق الأوسط، عندما تأسس هذا الوسام عام 1947 كـ نجمة التضامن كان يهدف للاحتفاء بالقيم الإنسانية، واليوم ترى روما في تجربة إقليم كوردستان الذي تحول تحت رعاية بارزاني إلى ملاذ آمن لمئات الآلاف من المسيحيين الإيزيديين والنازحين من مختلف المكونات تجسيداً حياً لتلك القيم، مكرساً القوة الناعمة للإقليم كواحة للتعددية والتعايش السلمي.
ما وراء الوسام.. لماذا اختارت روما تتويج قيادة نيجيرفان بارزاني بـ المقلد الكبير؟
تخضع عملية ترشيح الشخصيات لوسام نجمة إيطاليا لفلترة صارمة ودقيقة تشرف عليها وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية ولا تصدر إلا بمرسوم رئاسي مباشر يوقعه رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا شخصياً. ولم يكن غريباً أن يقلّد السفير الإيطالي لدى العراق ماوريتسيو غريغانتي هذا الوسام الرفيع لرئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني في مراسم رسمية جرت في أربيل فالخطوة تتوج تاريخاً ممتداً وثرياً من الحضور الإيطالية المؤثر في كوردستان والذي لم ينقطع في أحلك الظروف، هذا الحضور الذي تجلى واقعياً في الدعم الطبي والميداني الإنساني المتواصل لقوات البيشمركة،وإنشاء المستشفيات العسكرية فضلاً عن البعد الثقافي المتمثل في البعثات الأثرية الإيطالية البارزة التي ساهمت في تنقيب وإحياء الإرث التاريخي العالمي للإقليم مثل مواقع خنس وجروانة.
ولفهم دقة الاختيار يكفي أن نستحضر طبيعة النخبة العالمية التي حظيت بهذا النظام التكريمي الرفيع برتبها العليا، حيث مرّ عبر تاريخ هذا الوسام قادة ومفكرون ورجال دولة استثنائيون تركوا بصماتهم على الساحة الدولية من أمثال الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي، والعديد من رؤساء الحكومات والوزراء الأوروبيين وصولاً إلى شخصيات صاغت مجالات الثقافة والعلوم والفن على مستوى العالم مثل المعماري العالمي رينزو بيانو، ونجوم السينما الحاصلين على جوائز الأوسكار كالممثل العالمي كريستوفر لي.
لذلك، فإن وضع السيد نيجيرفان بارزاني في طبقة المقلد الكبير وهي من الدرجات العليا والنادرة التي لا تُمنح إلا لزعماء وقادة تركوا بصمات استراتيجية واضحة يخرج الحدث من إطاره المحلي الثنائي، إنه يبعث برسالة واضحة إلى بقية العواصم الأوروبية والغربية مفادها: أن المجتمع الدولي يتعامل مع رئيس إقليم كوردستان كقائد بمواصفات سيادية كاملة ويمتلك الكاريزما السياسية المؤهلة لإدارة الشراكات الدولية الكبرى.
إن تقليد السيد نيجيرفان بارزاني وسام المقلد الكبير ليس مجرد لحظة احتفائية في أربيل، إنه إعلانٌ أوروبي صريح بـ تأميم الاستقرار في إقليم كوردستان، روما لم تمنح هذا الوسام لشخصية عابرة بل منحت شهادة اعتماد لقائدٍ استطاع أن يحول إقليمه من نقطة توتر في ذاكرة الشرق الأوسط، إلى ممر آمن في أجندة الناتو ومصالح الغرب. اليوم، السيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان لا يحمل نجمة إيطاليا على صدره فحسب بل يحمل ثقل التوقعات الدولية لمرحلةٍ قادمةٍ لا مكان فيها إلا للأقوياء الذين يجيدون لغة التوازن، لقد انتهى زمن المراقبين، فالمسار الذي رسمه السيد نيجيرفان بارزاني في دبلوماسية الصمت والعمل، قد جعل من أربيل في نظر العالم.. الرقم الصعب الذي لا يمكن لأيِ معادلةٍ إقليميةٍ أن تكتمل دونه.

قد يعجبك ايضا