بين الوفاء والجحود: لماذا تُنكر بعض الأصوات المسيحية تضحيات الكورد؟

 

ماهين شيخاني

حين تصبح الذاكرة انتقائية… يخسر الجميع
في المشرق، لا توجد جماعة عاشت تاريخها بمعزل عن الأخرى. فالكورد، والسريان، والآشوريون، والأرمن، والعرب، وسائر مكونات المنطقة، تشاركوا الجغرافيا، وتقاسموا الأفراح والمآسي، وواجهوا معاً قسوة الإمبراطوريات، والاستبداد، والحروب، والتطرف.
ولهذا، فإن أكثر ما يؤلم ليس اختلاف الروايات التاريخية، بل أن يتحول الاختلاف إلى إنكار، وأن تُمحى من الذاكرة صفحات كُتبت بالدم والتضحيات.
من هنا، لا يوجَّه هذا المقال إلى المسيحيين بوصفهم جماعة دينية، بل إلى بعض الأصوات التي تنكر الوجود الكوردي التاريخي، أو تقلل من تضحياته، أو تصطف مع خطابات تستهدف حقوقه، رغم أن الوقائع الحديثة تؤكد أن الكورد كانوا، في أكثر من محطة، من أبرز المدافعين عن أمن المسيحيين ووجودهم.

الكورد لم يكونوا يوماً أعداء للمسيحيين
التاريخ لا يروي صراعاً دائماً بين الكورد والمسيحيين، بل يروي قروناً من التعايش.
في مدن مثل ماردين، ودياربكر، والجزيرة، وزاخو، ودهوك، و هولير (أربيل)، وطور عبدين، عاشت المجتمعات الكوردية والسريانية والآشورية والأرمنية جنباً إلى جنب، وتقاسمت الأسواق، واللغة اليومية، والمصالح الاقتصادية، وحتى كثيراً من العادات الاجتماعية.
ورغم أن التاريخ شهد محطات مؤلمة، فإنها لم تكن قاعدة تحكم العلاقة بين الشعبين، بل كانت استثناءات فرضتها ظروف سياسية وإقليمية معقدة.
ولهذا فإن اختزال العلاقة في رواية واحدة، أو تصوير أحد الطرفين بوصفه خصماً تاريخياً للآخر، لا يخدم الحقيقة، بل يخدم الانقسام.
حين تعرض المسيحيون للخطر… كانت كوردستان ملاذاً

لا يحتاج هذا الأمر إلى كثير من الجدل.
فعندما اجتاح تنظيم داعش مناطق واسعة من العراق عام 2014، انهارت مؤسسات الدولة في كثير من المناطق، واضطر عشرات الآلاف من المسيحيين إلى النزوح.
وكان إقليم كوردستان أول من فتح حدوده أمامهم، واستقبل مئات الآلاف من النازحين، ووفر لهم المأوى، والتعليم، والرعاية الصحية، وحرية ممارسة شعائرهم الدينية.
كما لعبت قوات البيشمركة دوراً رئيسياً في حماية العديد من المناطق ذات الغالبية المسيحية، وقدمت تضحيات كبيرة في مواجهة تنظيم داعش.
ولم تكن تلك المواقف منّةً أو تفضلاً، بل انسجاماً مع رؤية تعتبر أن الدفاع عن الإنسان لا يرتبط بقوميته أو دينه.
فلماذا تُنكر بعض الأصوات هذا التاريخ؟

هنا يبرز السؤال الذي يستحق النقاش.
لماذا يتبنى بعض الكتّاب أو الناشطين أو السياسيين المسيحيين خطاباً ينكر الحضور التاريخي للكورد في مدن مثل ماردين أو الجزيرة أو غيرهما، أو يصور الكورد وكأنهم غرباء عن هذه الأرض؟
ولماذا يُختزل تاريخ المنطقة في رواية أحادية، بينما كانت هذه الجغرافيا عبر آلاف السنين فضاءً لتعدد الشعوب والثقافات؟
إن الدفاع عن الوجود السرياني أو الآشوري حق مشروع، لكنه لا يصبح أكثر شرعية بإنكار وجود الكورد.
فالحقوق لا تُبنى على نفي حقوق الآخرين، والذاكرة لا تصبح أكثر صدقاً عندما تُقصي جزءاً من الحقيقة.
العدالة لا تتجزأ
الكورد كانوا، وما زالوا، من أكثر الشعوب مطالبة بالاعتراف بما تعرضوا له من إنكار، وتهجير، وتعريب، وتتريك، وتفريس.
ولذلك فهم يدركون أكثر من غيرهم معنى أن يُنكر تاريخ شعب، أو تُطمس لغته، أو تُشوَّه هويته.
ولهذا فإن الدفاع عن الحقوق الكوردية لا يتعارض مع الدفاع عن الحقوق المسيحية، بل إن المبدأ واحد:
لا يجوز إنكار تاريخ أي شعب، ولا مصادرة هويته، ولا تحويل الذاكرة إلى أداة للإقصاء.
فالعدالة التي نطالب بها لأنفسنا يجب أن نمنحها لغيرنا أيضاً.

دعوة إلى شراكة تقوم على الحقيقة
إن مستقبل المنطقة لن يُبنى على المنافسة في صناعة المظلومية، بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق.
الكورد لا يطلبون من شركائهم المسيحيين امتناناً، ولا ينتظرون منهم مديحاً، وإنما يطلبون شيئاً بسيطاً:
أن يُقال التاريخ كما هو.
أن يُعترف بأن الكورد شعب أصيل في هذه الجغرافيا، كما السريان والآشوريون والأرمن والعرب.
وأن تُبنى العلاقات بين المكونات على الاحترام المتبادل، لا على إنكار الآخر.

الخاتمة: الحقيقة أساس المصالحة
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الشعوب الصغيرة لا تستطيع حماية نفسها إذا انقسمت، وأن المستفيد الأول من الصراعات بين مكونات المنطقة هو الاستبداد والتطرف.
إن الكورد والمسيحيين ليسوا خصمين في معركة وجود، بل شركاء في جغرافيا واحدة، وتاريخ واحد، ومستقبل واحد.
وإذا كان من حق السريان والآشوريين أن يطالبوا العالم بالاعتراف بمآسيهم، فمن حق الكورد أيضاً أن يُعترف بتاريخهم، وهويتهم، وتضحياتهم.
فالحقيقة لا تنتقص من أحد، والاعتراف المتبادل لا يُضعف أي قضية، بل يمنحها قوة أخلاقية أكبر.
أما إنكار تاريخ الآخرين، فلن يغيّر الوقائع، بل سيضيف جرحاً جديداً إلى ذاكرة شعوب أنهكتها الحروب، وهي أحوج ما تكون اليوم إلى الصدق، والإنصاف، والشراكة.

قد يعجبك ايضا