رمزي ميركاني
في ظل إقليم يموج بالصراعات، وتطغى على كثير من دوله ثقافة التهميش والإلغاء، يبرز إقليم كوردستان كدولة “أمر واقع” تمثل واحة للاستقرار وموطناً أصيلاً للتعايش السلمي. إن التعايش في كوردستان ليس مجرد شعار سياسي أو ضرورة عابرة، بل هو عملية خلق مجتمعات متكاملة منسجمة، يتجاوز فيها العيش المشترك فكرة “عدم الاقتتال” ليصل إلى مرحلة القبول المطلق للآخر، واحترام خصوصيته الدينية والقومية، والاعتراف بكامل حقوقه كشريك في الأرض والمصير.
يحتضن الإقليم تنوعاً عرقياً ثرياً يضم الكورد، التركمان، العرب، الكلدان، السريان، الآشوريين، والأرمن. هذا التنوع القومي يسانده تنوع ديني فريد يضم ثماني ديانات ومعتقدات معترف بها رسمياً ومنظمة بموجب قانون رقم (5) لسنة (2015). هذا القانون (قانون حماية المكونات) يمثل حجر الزاوية في مأسسة التعايش؛ حيث حوّل العلاقة بين المكونات من مجرد أعراف اجتماعية إلى حقوق قانونية تضمن المساواة وتكافؤ الفرص، وتحظر التمييز وخطاب الكراهية بكل أشكاله.
ولم تقف حكومة الإقليم عند حدود التشريع، بل ترجمت ذلك عملياً من خلال الاهتمام بدور العبادة؛ حيث يضم الإقليم نحو 5800 مسجد، و145 كنيسة، و400 معبد لمختلف الأديان. وقد وضعت التشكيلة التاسعة لحكومة الإقليم، برئاسة مسرور بارزاني، خطة شاملة لترميم هذه المعالم الدينية، من مرقد السلطان مظفر الدين ومركز لالش الإيزيدي إلى الكنائس التاريخية، تأكيداً على أن هذه الأماكن هي جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية الكوردستانية.
إن ما يميز تجربة كوردستان هو قدرتها على التسامي فوق الجراح. فقد تعرض الشعب الكوردي لأبشع أنواع الإبادة الجماعية على يد نظام البعث، من عمليات الأنفال التي راح ضحيتها 182 ألف إنسان، وقصف حلبجة بالكيمياوي، وتصفية البارزانيين والكورد الفيليين. ورغم هذه المآسي، لم يلجأ الكورد إلى العقلية الانتقامية.
ففي انتفاضة عام 1991، تجلت حكمة القيادة الكوردستانية متمثلة في الرئيس مسعود بارزاني، الذي أصدر أمراً بالعفو العام وحماية الجنود العراقيين المنسحبين، فاتحاً صفحة جديدة من التعايش. لقد استلهم الرئيس بارزاني شعار “عفا الله عما سلف” ليبني وطناً لا يتغذى على الثأر، بل ينهض بسواعد جميع أبنائه بمختلف مشاربهم. هذا النهج هو الذي جعل الإقليم اليوم ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من النازحين العرب والمسيحيين والإيزيديين الذين فروا من بطش الإرهاب، ليجدوا في كوردستان الكرامة والحماية والخدمات دون تمييز.
يتخذ التعايش في إقليم كوردستان أبعاداً متعددة تغلغلت في عمق البنية المجتمعية:
– التعايش الديني والقومي: القائم على الاحترام المتبادل والمشاركة في المناسبات والأعياد، حيث تتمازج التهاني بين المسجد والكنيسة والمعبد.
– التعايش الاجتماعي والاقتصادي: الذي يتجلى في المصاهرة والزواج المختلط، والشراكات التجارية التي ربطت مصالح المكونات ببعضها، مما عزز السلم المجتمعي.
– التعايش الثقافي والتعليمي: حيث تُدرس اللغات الأم (السريانية، التركمانية، الأرمنية) في المدارس، وتصدر الطوابع البريدية الرسمية التي تحمل رسائل التعددية الثقافية، كما حدث في مبادرة وزير النقل والاتصالات آنو جوهر.
لم تغب هذه التجربة الفريدة عن أنظار المجتمع الدولي؛ ففي جلسات البرلمان الأوروبي (مايو 2026)، تم تسليط الضوء على إقليم كوردستان كنموذج رائد للتسامح في منطقة الشرق الأوسط. وأشاد الباحثون والسياسيون الدوليون بالنظام السياسي في الإقليم الذي يضمن تمثيلاً عادلاً للمكونات عبر نظام “الكوتا” في البرلمان، مما يجعلهم شركاء حقيقيين في صنع القرار وليسوا مجرد أقليات مهمشة.
إن تجربة كوردستان تثبت أن التنوع ليس سبباً للفرقة، بل هو قيمة جمالية مضافة. إنها قصة شعب قرر أن يحول جغرافية الجبال الصعبة إلى رمز للصمود، وتاريخ القمع إلى مدرسة للتسامح. وكما يقول الضمير الكوردستاني: “كل الشعوب تسكن أوطانها، إلا نحن فوطننا يسكن فينا”، وهو وطن لا يضيق بأحد، بل يتسع لكل من ينشد السلام والحرية.
إن استقرار إقليم كوردستان وأمنه ليس نتاجاً للقوة العسكرية فحسب، بل هو ثمرة “ثقافة التعايش” التي أصبحت سلوكاً يومياً للجار مع جاره، والطالب مع زميله. إنها التجربة التي يحتاجها الشرق الأوسط اليوم للخروج من نفق الطائفية والعنصرية نحو رحاب المواطنة الصالحة والعيش المشترك الأبدي.