بهاء زهير القيسي
تُعَدّ الأساطير والمعتقدات الشعبية الكردية من أهم أشكال التعبير القولي في الأدب عمومًا، والكردي خاصةً، كما تُعَدّ هذه الحكايا الأسطورية البذورَ الأولى لنشأة الدراما كما نعرفها اليوم، والتي جاءت عن طريق الشعائر والطقوس التي تحملها الأسطورة؛ إذ كانت رسالةً تحتوي في طياتها الخبرات الحياتية وتصوراتها، ويدور مضمونها حول ما يحفظ التوازن داخل الجماعة، ويشكّل البعد الخفي للأفكار.
ويُعَدّ المستشرق الفرنسي البروفيسور توماس بوا (Thomas Bois) (1900–1975)، في كتابه (مع الأكراد)، من أشهر الباحثين في حقل الأساطير الكردية الشعبية، إذ تناولها بالتوثيق والشرح والتحليل. فقد وصف كيف تغلّبت الشاعرية على الإنسان الكردي، الذي هو محبّ للطبيعة التي تحيط به، لكونها جميلة وعامرة بنِعَم الله التي يحييها؛ ولهذا لطالما دارت أحداث هذه الأساطير الشعبية في الجبال، وحول الينابيع، ومع الحيوانات والنباتات البرية.
تُعَدّ، مثلًا، حكايا أسطورة الجنيات أو الحوريات (پهري – Peri) من أشهرها، حيث كان يُعتقَد أنها تتردد بكثرة على ينابيع الجبال. أمّا الجن (Cin)، فلدى الجميع قصص ونوادر فلكلورية تدور حولهم بين سكان أرض كردستان من الآشوريين والإيزيديين.
وتُقسَّم هذه الجنيات إلى طيبة وشريرة، ولها أيضًا دينها الخاص؛ فالجنية الطيبة تكون أحيانًا مغطّية رأسها بطاقية حمراء تجعلها غير مرئية، وتتجوّل في الوديان العميقة، أمّا الأرواح الشريرة فتختبئ في حُفَر وتجاويف الصخور، وفي أعماق الكهوف. وقد اندفع بعض الأشخاص الجسورين، بدافع الفضول، محاولين التوغّل داخل هذه الكهوف ومشاهدة عوالمهم، إلا أنهم خرجوا منها وقد اختلّت عقولهم.
وتقول الأساطير والحكايا الشعبية إن عتبة المنزل هي المكان الذي يحب الجن التردد عليه؛ لذا يجب حماية النفس دائمًا منهم، وذلك بسكب الماء الحار في هذا المكان، إذ يمكن أن يؤذيهم. وعلى الرغم من أن الجن مكوَّن من النار، إلا أنه مُجبَر على الأكل مثل سائر الناس. وتُروى القصص الشعبية حكاية مشهورة ومأثورة عن شيخ إيزيدي من سنجار نجح في التعلّق بجنيّ كان يُبقيه معه في كل مكان، وكذلك آشوري فعل الشيء نفسه مع جنيّ آخر، حيث جعله يساعد زوجته لاحقًا في أعمال المنزل.
وهناك بعض الأساطير التي تروي حكاية الزواج من الجنيات، مثل قصة (الأمير محمد)، أمير بوتان، الذي توفي عام (1750)، إذ تتحدث الأساطير أنه تزوّج من حورية وأنجب منها عددًا من الأطفال. وهناك قصة أخرى مشابهة حدثت فيما بعد لفقير إيزيدي من سنجار، ولكن السحر انقلب عليه، وفقد المسكين عقله.
كان بعض الشيوخ يُحدّثون الناس دومًا عن أشخاص مشهورين بقدرتهم على التسلّط على الجن، وكان هناك من الشيوخ مَن يلجأ إليهم الناس لإخراج الأرواح الشريرة وعمل الطلاسم. وكان الإيمان بالأطياف وأشباح الليل سائدًا في تلك الحِقَب القديمة، حيث تمتزج الأحلام بقوة الخيال؛ فيجد البعض فيها نورًا يُنير أوقاتهم، بينما يُعَدّ آخرون، مثل الشيخ كامو الإيزيدي، اختصاصيين في فن شرح الأفكار وتفسيرها، مما يمنحهم نفوذًا كبيرًا على جماعة البسطاء (Koçek Yézidis).
كما لا يمكن إغفال وجود الحيوانات التي دارت حولها بعض الأساطير، مثل الديك الذي يوقظ الناس مع طلوع الشمس ويحمل السعادة إلى المتزوجين حديثًا، أو الطاووس الذي يرمز إلى ملائكة النور عند الإيزيدية. وعلى العكس، يهاب البعض حيوانات أخرى، مثل الثعبان الذي يتكرر ذكره في القصص والحكايات الشعبية، وكان الشيوخ الحواة من الإيزيديين يلعبون بالأفاعي، مثل عائلة الشيخ مهند (MHend)، الذين لديهم القدرة على مسك الزواحف وتدجينها. وآخرون من عائلة عمر مندان (تومهر مهندان)، قرب طريق كركوك–طقطق، لهم قابلية شفاء لدغات الأفاعي.
ومن المخلوقات التي ورد ذكرها في الحكايات والمعتقدات الشعبية أيضًا ما يُسمّى (ئاسان)، وهو حيوان غريب في نظر الأكراد: الحرباء، التي يسمونها (مارى – Mara ezman)، أي “ثعبان السماء”. ويؤكدون أنهم لم يروا هذا الحيوان قطّ يأكل أو يشرب أو حتى ينام، ويعتقدون أنه وُلد في السماء وسقط منها في يوم الحظ. وبما أن هذا الحيوان يغيّر لونه، فإنهم يفسّرون ذلك وفق معتقداتهم.
وكما توجد في مأثورات كردستان الشعبية بعض النباتات الغريبة ذات الخصائص غير الاعتيادية، التي تحدّث عنها الناس بنوع من الأسطورية، إضافة إلى وجودها الحقيقي؛ تأتي في مقدمتها نبتة (سراج القطرب) (Mandragora)، وتُسمّى فاكهتها “تفاح الجن”، وقد ذُكرت حتى في الإنجيل. ويصفها الأكراد في مأثوراتهم بأنها نوع من النبات يلمع ليلًا، وأوراقه فضية؛ فإذا اقتربنا منه ارتدّ نحو الأرض واختبأ عند محاولة البحث عنه، ويُقال إنه يبقى ساكنًا إذا أُلقيت عليه قطرات من بول امرأة.
هذا النبات يشبه أوراق العنب قليلًا، وتظهر جذوره على شكل جسم إنسان، ولها لون اللحم. ويروي الناس في كردستان أنه إذا أُمسك به فإن الجذور تُصدر صوتًا يشبه صفير الريح، وأن الشخص الذي يقتلعها يسقط ميتًا؛ لذلك، لتجنّب هذا الخطر، يحفرون حول النبات، ثم يربطون حبلًا بجذوره والطرف الآخر برقبة كلب، ثم يبتعدون ويرمون الحيوان بحجر، فيركض من فزعه، فيسحب الجذور ويسقط ميتًا بدلًا عنهم.
وفيما يخص النساء، فقد كان لهنّ، بصورة خاصة، إيمان عميق بقراءة البخت أو “فتح الفال”، إذ يُقبِلن على الغجريات اللواتي يستخدمن عظام كتف خروف أو الرمل وطرق التنجيم الأخرى. وتنبع هذه المعتقدات الشعبية من الإيمان المتأصل بالعين الحاسدة.
وفي الواقع، فإن النساء الكرديات، مثل غيرهن من نساء الشرق، يحترسن من العين الشريرة، إلا أنهن يخالفن الاعتقاد الشائع بأن العيون الزرقاء مؤذية، إذ يقول مثلهم: “من له عين صفراء فعينه حاسدة”. وأكثر من يتأثر بذلك هنّ النساء الحوامل والأطفال. ومن هذه المعتقدات أنه لا يجوز العمل أو الغزل قرب فراش النفساء، كما لا ينبغي للمرأة التي أنجبت منذ أقل من أربعين يومًا أن تزور نفساء أخرى، لأن ذلك يُعَدّ إساءة لها.
وإذا التقت امرأتان أنجبتا حديثًا صدفةً، فعليهما تبديل إبرتيهما وطفليهما، ثم تعودان معًا دون أن تتقدّم إحداهما على الأخرى، وذلك اتقاءً للعين الحاسدة. ولتجنّب الشر أو اجتذاب الحظ، يُلجأ إلى القوى الغيبية عبر تمائم يُعتقد بفعاليتها، منها ما يكون على شكل حُليّ مصنوعة من صدف أزرق، ومعلّق بها جرس صغير (جلجال)، ومادتها من العقيق اليماني.
كما توجد تمائم على شكل كيس صغير يحتوي أوراقًا يُرسم عليها بالحبر الأحمر مربعات، ويكتب الشيخ فيها أرقامًا وكلمات، وقد تُضاف إليها رسوم كالسيف أو نقاط حمراء. تُطوى الورقة على شكل مثلث، وغالبًا توضع فيها إبرة مكسورة، ثم تُحفظ في كيس. وإذا أُضيف إليها شيء من شعر الزوج، اعتقدت الزوجة أنه سيقع في أسر حبها.
ويختص بعض الشيوخ بصناعة تمائم لأغراض محددة، إذ لا يُستخدم فيها أي شيء، بل أشياء نادرة مثل أسنان الذئب، وجذور القطرب، وبعض الأخشاب أو الأحجار أو اللؤلؤ. وتُعلّق هذه التمائم على طاقية الأطفال أو على الملابس عند الكتف أو حول الذراع، ويشمل ذلك النساء والرجال أحيانًا، خاصة في القرى.
إن الحديث عن المعتقدات والأساطير الشعبية الكلاسيكية يطول، ويكثر فيه التصنيف والشرح، وكان لا بد من المرور السريع عليها بصيغة مقتضبة للتعريف بها والإشارة إليها في البحوث والمصادر التي تناولتها.
إن أهمية دراسة ما أورثته لنا الحضارات القديمة تكمن في تفسير جوانب مختلفة من الوجود، مثل الظواهر الطبيعية والعادات الاجتماعية والحالة الإنسانية، إذ ابتكرت هذه المعتقدات في الأصل لنقل حقائق جوهرية ساعدت البشر على فهم دورهم وغايتهم في الحياة.