أسعد عبد الرزاق… ذاكرة المسرح العراقي وضميره الحي

محمد علي محيي الدين

في بغداد، حيث تتشابك الأزمنة وتنهض الحكايات من بين الأزقة العتيقة، وُلد أسعد عبد الرزاق في الخامس عشر من أيار عام 1923، ليغدو لاحقاً واحداً من أبرز وجوه المسرح العراقي، وركناً أصيلاً في بنائه الحديث. جمع في بداياته بين دراسة القانون في جامعة بغداد، التي نال منها ليسانس الحقوق عام 1950، وبين شغفه العميق بالفن، فحصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة عام 1948، قبل أن يمضي في رحلة معرفية أوسع إلى إيطاليا، حيث نال الدبلوم العالي في الإخراج المسرحي من أكاديمية الأدب والفن في روما عام 1958، وتخرّج كذلك من معهد متخصص في التمثيل، عائداً إلى العراق محمّلاً برؤية فنية ناضجة.
منذ الخمسينيات، بدأ حضوره يتكرّس في المشهد المسرحي، كاتباً ومخرجاً وممثلاً، فكتب عدداً من المسرحيات الشعبية التي لامست وجدان الناس، من بينها “عبد العمال”، و“أم حسون”، و“في المدرسة”، و“ممنوع الدخول”، وهي أعمال عكست بساطتها الظاهرية عمقاً اجتماعياً وإنسانياً. أما على صعيد الإخراج، فقدّم مجموعة من الأعمال التي رسخت مكانته، مثل “الدبخانة” التي عُرضت لأول مرة عام 1960 وحققت شهرة واسعة، إلى جانب “كملت السبحة”، و“أيدك بالدهن”، و“جزه وخروف”، و“جفجير البلد”، وغيرها من المسرحيات التي ظلّت عالقة في ذاكرة الجمهور، لما حملته من روح شعبية ومعالجة فنية قريبة من نبض الحياة اليومية.

شكّل مع الكاتب علي حسن البياتي ثنائياً فنياً مميزاً، قدّما من خلاله نصوصاً مسرحية ذات طابع شعبي، جمعت بين الطرافة والطرح النقدي، وأسهمت في ترسيخ علاقة المسرح بالجمهور. كما اختاره الرائد حقي الشبلي لأداء دور “عماد” في مسرحية “الصحراء” ليوسف وهبي، وهو اختيار يعكس مكانته الفنية المبكرة وثقة رواد المسرح به.
ولم يكن المسرح وحده مجاله، فقد شارك في السينما العراقية من خلال فيلم “الجابي” عام 1968، وهو عمل واقعي صوّر تفاصيل الحياة العراقية في ستينيات القرن الماضي، كاشفاً عن هموم الناس اليومية من خلال فضاء بسيط لكنه عميق الدلالة.
أسهم الراحل في تأسيس فرقة “14 تموز” عام 1959 مع وجيه عبد الغني، وفوزي مهدي، وصادق علي شاهين، إلى جانب أسماء أخرى مثل قاسم الملاك وبهنام ميخائيل ومحمد علي هادي السعيد، لتكون واحدة من أهم الفرق المسرحية في بغداد، إلى جانب فرقة المسرح الفني الحديث. وقدّمت هذه الفرقة عدداً كبيراً من العروض التي بقيت حيّة في ذاكرة المتلقين، وأسهمت في ازدهار المسرح العراقي خلال فترة الستينيات والسبعينيات، التي وصفها الراحل بالفترة الذهبية، لما شهدته من كثافة في الإنتاج، وتفاعل جماهيري واسع، وازدهار في النصوص المسرحية.
في موازاة عمله الفني، كان أسعد عبد الرزاق مربياً وأكاديمياً بارزاً، إذ درّس فن التمثيل في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد منذ عام 1961 وحتى سنواته الأخيرة، وتفرّغ لاحقاً لتدريس المسرح العربي. تولّى عدداً من المناصب، منها رئاسة فرع التمثيل، وعمادة معهد الفنون الجميلة بين 1961 و1972، ثم عمادة أكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد بين 1972 و1988، كما عمل أستاذاً مساعداً وعميداً مساعداً في مراحل مختلفة، وكان له دور كبير في إعداد أجيال من الفنانين، والإشراف على العديد من رسائل الماجستير.
كما أسهم في الحقل الثقافي من خلال إدارته لمجلة “الفنان” الصادرة عام 1950، ومشاركته في مؤتمرات ومهرجانات مسرحية في بغداد وتونس والمغرب والقاهرة، إضافة إلى مشاركته في مؤتمر اليونسكو في باريس لبحث أوضاع الفنانين. وأصدر عدداً من الكتب المهمة، منها “أصول فن التمثيل” (1976)، و“طرق تدريس فن التمثيل” (1980)، و“مشاكل العمل المسرحي” (1984)، مؤكداً من خلالها رؤيته بأن المسرح علمٌ وفنٌ في آنٍ واحد.
كان يرى المسرح كائناً حيّاً يتطوّر مع تطوّر الحياة، ويستمد جذوره من حضارات العراق العريقة، من سومر وبابل إلى أسواق العرب الثقافية، معتبراً أن هذا الفن كان إنجازاً حضارياً ينبغي الحفاظ عليه وتطويره. وقد عبّر بأسى عن التراجع الذي أصاب المسرح في فترات لاحقة، حين غابت النصوص القادرة على تجسيد هذا العمق الحضاري.
في التاسع من تشرين الثاني عام 2013، رحل أسعد عبد الرزاق عن عمر ناهز التسعين عاماً، بعد حياة حافلة بالعطاء. أُطلق عليه لقب “شيخ الفنانين”، ليس فقط لكبر سنه، بل لما مثّله من خبرةٍ وحكمةٍ وتأثيرٍ عميق في الحركة المسرحية. وكان حضوره إلى مهرجان المسرح الدولي في بغداد، حيث كُرّم قبل أيام من رحيله، آخر إطلالة له، وكأنّه يودّع الخشبة التي أحبّها، بعد أن أفنى عمره في خدمتها، تاركاً خلفه إرثاً فنياً وثقافياً سيظل شاهداً على زمنٍ كان فيه المسرح روحاً نابضة في قلب الحياة.

قد يعجبك ايضا