بين الواقعية والتنازل.. إلى أين تمضي السياسة الكوردية في سوريا؟!

ماهين شيخاني

حين يصبح البقاء السياسي أخطر من خسارة القضية
في اللحظات التاريخية الكبرى، لا تُقاس مواقف الشعوب بما تقوله بياناتها السياسية، بل بما تحفظه من حقوقها وهي تدخل غرف التسويات. وسوريا اليوم تقف على واحدة من أخطر هذه اللحظات؛ دولة مدمّرة، سلطة انتقالية مرتبكة، إقليم مشتعل، وقضية كوردية تبحث عن مكانها في خارطة ما بعد الحرب.

بعد الاتفاقات الأخيرة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة، عاد السؤال الكوردي إلى الواجهة بقوة:

هل تمارس القوى الكوردية سياسة واقعية تنقذ ما يمكن إنقاذه؟ أم أنها بدأت تدخل تدريجياً في مسار التنازل عن جوهر القضية مقابل مكاسب سياسية محدودة؟
السؤال ليس اتهاماً، بل محاولة لفهم المشهد بعيداً عن التخوين والعواطف، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية قومية هو أن تتحول من مشروع تاريخي إلى مجرد تفاوض على المناصب.

أولاً: الكورد بين مطرقة الجغرافيا وسندان السياسة

القضية الكوردية في سوريا لم تولد بعد 2011، بل هي امتداد لعقود طويلة من التهميش والإنكار والحرمان من الحقوق الأساسية. الكورد الذين حُرموا حتى من لغتهم وهويتهم، وجدوا مع انهيار سلطة دمشق فرصة تاريخية لبناء نموذج مختلف.

خلال سنوات الحرب، استطاعت القوى الكوردية فرض نفسها لاعباً أساسياً: عسكرياً عبر محاربة تنظيم داعش. سياسياً عبر الإدارة الذاتية. دولياً عبر التحالف مع الولايات المتحدة. لكن المشكلة أن هذه المكاسب وُلدت داخل بيئة شديدة الخطورة:

تركيا تعتبر أي كيان كوردي تهديداً وجودياً. دمشق ترفض الاعتراف الحقيقي باللامركزية. المعارضة السورية التقليدية ما تزال أسيرة العقلية القومية العربية.
والقوى الدولية تتعامل مع الكورد بوصفهم ورقة وظيفية أكثر من كونهم شعباً صاحب قضية. لذلك، فإن السياسة الكوردية اليوم لا تتحرك في مساحة مثالية، بل داخل حقل ألغام إقليمي ودولي.

ثانياً: قسد… الواقعية السياسية أم بداية الاحتواء؟

لا يمكن إنكار أن قوات سوريا الديمقراطية تعاملت بواقعية عالية خلال سنوات الحرب. فهي أدركت مبكراً أن الصدام المفتوح مع الجميع انتحار سياسي وعسكري، ولذلك بنت تحالفاتها وفق موازين القوى لا وفق الأمنيات. لكن الواقعية شيء، والتحول إلى مجرد قوة محلية ضمن النظام الجديد شيء آخر. الخطر الحقيقي لا يكمن في الحوار مع دمشق، فالحوار ضرورة، بل في سقف هذا الحوار: هل الهدف اعتراف دستوري بالشعب الكوردي؟ أم مجرد إعادة دمج المناطق الكوردية ضمن مركزية جديدة بوجوه مختلفة؟

حتى الآن، تبدو المؤشرات متضاربة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الذاتية عن (سوريا ديمقراطية لا مركزية)، تصرّ دمشق على مفهوم (الدولة الواحدة والجيش الواحد والهوية الواحدة)، وهي ذات العقلية التي أوصلت البلاد إلى الكارثة. المشكلة أن بعض الخطابات الكوردية بدأت تميل إلى تخفيض سقف المطالب تحت ضغط الخوف من تركيا، أو خشية فقدان الدعم الأمريكي، أو خوفاً من مواجهة مفتوحة مع دمشق. وهنا يبدأ السؤال الخطير: هل تتحول الواقعية تدريجياً إلى تطبيع مع إنكار الحقوق؟

ثالثاً: المجلس الوطني الكوردي… بين الواقعية السياسية وضغط الحسابات الإقليمية

يواجه المجلس الوطني الكوردي معضلة معقدة لا يمكن اختزالها بالخيانة أو العمالة كما يفعل الخطاب الشعبوي، ولا يمكن أيضاً تبرئتها بالكامل تحت شعار (الواقعية السياسية). فالمجلس، بحكم موقعه وتحالفاته، ارتبط خلال السنوات الماضية بمحاور إقليمية ودولية ترى في الملف الكوردي ورقة ضمن توازنات أوسع، لا قضية مركزية قائمة بذاتها. المشكلة هنا ليست في مبدأ بناء العلاقات والتحالفات، فكل حركة سياسية تحتاج إلى عمق إقليمي ودولي، بل في حدود تأثير تلك التحالفات على استقلال القرار الكوردي.

حين يصبح سقف المطالب الكوردية مرتبطاً بحسابات عواصم أخرى، أو حين تُؤجل الحقوق القومية الأساسية خوفاً من إغضاب الحلفاء، تبدأ الأزمة الحقيقية.
فبعض القوى الإقليمية تنظر إلى الكورد من زاوية (الإدارة الأمنية) لا (الشراكة الوطنية)، وتتعامل مع القضية الكوردية كملف يجب احتواؤه لا حله. وهنا يجد المجلس نفسه أحياناً محاصراً بين رغبته في الحفاظ على علاقاته السياسية، وبين واجبه في الدفاع عن مشروع قومي واضح لا يذوب في أجندات الآخرين.

إن التحدي الأكبر أمام المجلس الوطني الكوردي اليوم ليس فقط الدخول في السلطة أو الحصول على تمثيل سياسي، بل إثبات أن قراره الكوردي مستقل، وأن تحالفاته تخدم القضية لا أن تتحول القضية إلى أداة لخدمة تلك التحالفات. فالشارع الكوردي لم يعد يسأل فقط: (مع من تتحالفون؟) بل يسأل أيضاً: (ما الذي حققته هذه التحالفات للحقوق الكوردية حتى الآن؟)

رابعاً: العقدة السورية… هل تقبل دمشق فعلاً بسوريا متعددة؟

هنا تكمن جوهر الأزمة كلها، وليس فقط جوهر الخلاف مع الكورد. المشكلة الحقيقية ليست في وجود مطالب كوردية، بل في طبيعة العقل السياسي الذي يحكم دمشق منذ عقود، والذي ما يزال — رغم كل ما حدث — عاجزاً عن تخيل سوريا خارج نموذج (الدولة المركزية الصلبة) ذات الهوية الواحدة واللغة الواحدة والثقافة الواحدة. لقد سقط النظام القديم عسكرياً وسياسياً وأخلاقياً في أجزاء واسعة من البلاد، لكن ذهنيته لم تسقط بالكامل. فما تزال قطاعات واسعة داخل السلطة الجديدة والمعارضة التقليدية تنظر إلى أي حديث عن:

اللامركزية، التعدد القومي، الاعتراف بالهوية الكوردية، أو توزيع السلطة والثروة، بوصفه تهديداً لوحدة البلاد، لا فرصة لإنقاذها. وهنا تظهر العقدة السورية الكبرى: هل تريد دمشق (استعادة الجغرافيا) فقط، أم بناء وطن جديد لجميع السوريين؟

سوريا القديمة… وإعادة إنتاج الأزمة

لسنوات طويلة، بُنيت الدولة السورية على فكرة مركزية قاسية: عروبة سياسية مهيمنة، سلطة أمنية تتحكم بالجميع، وإنكار شبه كامل للهويات الأخرى. الكورد لم يكونوا وحدهم ضحايا هذه العقلية، لكنهم كانوا الأكثر استهدافاً: تجريد من الجنسية، منع اللغة، تغيير ديموغرافي، وتخوين دائم لأي تعبير قومي.

اليوم، وبعد كل المجازر والانهيارات، كان يفترض أن تتعلم النخب السورية درساً بسيطاً: لا يمكن بناء سوريا جديدة بعقلية سوريا القديمة. لكن ما يجري حتى الآن يوحي أن كثيرين يريدون تغيير السلطة… لا تغيير الدولة نفسها. هل تخاف دمشق من الكورد… أم من فكرة التعدد؟

في العمق، تخشى السلطة السورية — القديمة والجديدة — من فكرة الاعتراف الحقيقي بالتعدد، لأن ذلك يعني عملياً: إعادة توزيع السلطة، كسر احتكار المركز، والاعتراف بأن سوريا ليست ملكاً لقومية واحدة. ولهذا يتم التعامل مع المطالب الكوردية غالباً بمنطق أمني لا سياسي:

أي حديث عن اللامركزية يُفسر كمقدمة للانفصال، وأي تمسك باللغة الكوردية يُصور كتهديد للهوية الوطنية، وأي قوة كوردية منظمة تُعامل كخطر يجب احتواؤه. المفارقة أن دمشق لم تدرك بعد أن أخطر تهديد لوحدة سوريا ليس الاعتراف بالكورد، بل استمرار إنكارهم.

الكورد وسؤال الشراكة لا الانفصال

رغم كل ما يقال إعلامياً، فإن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي الكوردي في سوريا اليوم لا يطالب بالانفصال، بل بشراكة حقيقية داخل دولة عادلة. لكن المشكلة أن بعض القوى في دمشق تتصرف وكأن مجرد الاعتراف بالكورد كشعب هو تنازل خطير. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن للكوردي أن يشعر بالانتماء لوطن لا يعترف بلغته، ولا بثقافته، ولا حتى بخصوصيته السياسية؟

الوطن ليس خريطة فقط. الوطن شعور بالكرامة والاعتراف والمساواة. وأي دولة تطلب الولاء دون أن تمنح الاعتراف، تتحول تدريجياً إلى سلطة فوق الناس لا وطن لهم.

خامساً: أخطر ما يواجه الكورد… خسارة المعنى لا خسارة السياسة

القضية الكوردية لم تكن يوماً قضية (وزارات) أو (مقاعد) أو (مناصب). جوهرها كان دائماً: الاعتراف بالشعب الكوردي. حماية الهوية واللغة. بناء شراكة حقيقية في الوطن. وإنهاء عقلية الإنكار. لكن الخطر في هذه المرحلة أن تتحول السياسة إلى إدارة أزمة فقط، لا مشروع تحرر وحقوق. حين يصبح الإنجاز الأكبر هو (تجنب الهجوم التركي)، أو (الحصول على اعتراف إداري محدود)، أو (إدخال بعض الشخصيات إلى مؤسسات الدولة)، فإن القضية تبدأ تدريجياً بفقدان معناها التاريخي. الشعوب لا تضحي لعقود من أجل تحسين شروط التفاوض فقط، بل من أجل تثبيت وجودها وكرامتها وحقها في تقرير مصيرها السياسي والثقافي.

سادساً: ما الذي يحتاجه الكورد اليوم؟

الكورد في سوريا لا يحتاجون إلى خطابات حماسية جديدة، بل إلى مشروع سياسي ناضج وواضح يقوم على عدة أسس:

1- وحدة الموقف الكوردي: لا يمكن مواجهة دمشق وأنقرة والتحولات الإقليمية ببيت كوردي منقسم.
2- فصل القضية عن الصراعات الحزبية: القضية الكوردية أكبر من أي حزب أو إدارة أو زعامة.
3- التمسك بالحقوق الواقعية الممكنة مثل: الاعتراف الدستوري بالكورد. اللغة الكوردية. اللامركزية السياسية. الشراكة في الثروات والقرار.
4- عدم تحويل الواقعية إلى استسلام تدريجي: فالسياسة فن الممكن، نعم… لكنها ليست فن التنازل الدائم.

الخاتمة: بين الخوف والحكمة

ربما تدفع الظروف الحالية الكورد إلى البراغماتية، وربما تكون بعض التنازلات التكتيكية ضرورية لتجنب كارثة أكبر. لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تخسر فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل أيضاً عندما تتنازل تدريجياً عن تعريف قضيتها.
الكورد اليوم أمام اختبار صعب: كيف يحمون وجودهم دون أن يخسروا مشروعهم؟ وكيف يدخلون التسويات دون أن يتحولوا إلى مجرد تفصيل داخل دولة لا تعترف بهم إلا مؤقتاً؟

الجواب لن تصنعه البيانات السياسية وحدها، بل وعي الشارع الكوردي نفسه، وقدرته على التمييز بين الواقعية التي تحفظ الحقوق، والواقعية التي تذيبها ببطء.
ففي الشرق الأوسط، كثيرون دخلوا التسويات طلباً للأمان… ثم اكتشفوا متأخرين أنهم فقدوا حتى حق الحلم!

قد يعجبك ايضا