سنّ قانون الرشد الرقمي: حماية قانونية لمراهقي عصر المنصات.

امجد عبد الكريم.

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه أو التواصل، بل أصبحت بيئة كاملة تؤثر في التفكير والسلوك والقرارات، خصوصًا لدى فئة المراهقين الذين يقفون في منطقة حساسة بين الطفولة والرشد. وفي العراق، يدخل كثير من المراهقين إلى هذا العالم المفتوح مبكرًا، من دون حماية قانونية واضحة، ما يجعل الحاجة إلى تشريع قانون البلوغ الرقمي أكثر إلحاحًا، بل ويدفع للمطالبة برفعه بين 16 عامًا إلى 18 عامًا. اقل تقديرا

فالبلوغ الرقمي لا يعني القدرة على فتح حساب على “إنستجرام” أو “تيك توك” أو “فيسبوك”، بل يعني الوصول إلى مستوى من النضج النفسي والاجتماعي والعقلي الذي يسمح للفرد بفهم المخاطر، واتخاذ القرار الصحيح، ومقاومة الضغوط والتأثيرات السلبية التي تفرضها المنصات الرقمية يوميًا.
ومن الناحية النفسية، تؤكد الدراسات أن الدماغ، خصوصًا المناطق المرتبطة باتخاذ القرار وضبط الانفعالات وتحمل المسؤولية، لا يكتمل نموه الحقيقي في سنوات المراهقة المبكرة، بل يمتد ذلك إلى مراحل متقدمة قد تصل إلى ما بعد سن 18 عامًا. وهذا يعني أن كثيرًا من المراهقين، رغم قدرتهم التقنية العالية، لا يمتلكون النضج الكافي لحماية أنفسهم من التنمر الإلكتروني، أو الابتزاز، أو الاستغلال، أو الانجراف خلف التحديات الخطرة.

وقد ظهرت هذه المخاطر بوضوح في حوادث مأساوية، منها وفاة المراهق الأمريكي مايسون بوغارد (15 عامًا) بعد مشاركته في ما يعرف بـ”تحدي الخنق”، وهو تحدٍّ انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. والدته قالت إن الأطفال والمراهقين لا يدركون دائمًا خطورة ما يشاهدونه، وأن ما يبدو لهم مجرد لعبة قد ينتهي بكارثة.
ولهذا السبب، علّقت شركة “ميتا” مشروعها الخاص بإطلاق نسخة من “إنستجرام” للأطفال، بعد اعتراضات واسعة من خبراء ومنظمات حماية الطفولة. كما حذر جوش غولين، من منظمة “فير بلاي”، من أن الإنترنت يعامل من يبلغ الثالثة عشرة وكأنه بالغ، بينما الحقيقة النفسية والاجتماعية تقول غير ذلك.

هذا القلق لم يبقَ نظريًا، بل تحول إلى قوانين. فقد أصبحت أستراليا أول دولة في العالم تحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا، في خطوة شملت منصات مثل “تيك توك” و”يوتيوب” و”إنستجرام” و”فيسبوك”. كما اتجهت تركيا إلى إجراءات مشابهة، بينما دفعت فرنسا واليونان نحو تثبيت سن 15 عامًا كحد أدنى لما يسمى “الرشد الرقمي”.
لكن الواقع الحالي، وتسارع المخاطر الرقمية، يدفع إلى مراجعة أعمق: هل يكفي سن 16 عامًا؟ أم أن المرحلة العمرية حتى 18 عامًا ما زالت بحاجة إلى حماية قانونية أكبر؟

لذا من منطلق المسؤولية الاخلاقية والابوية تشريع قانون السن الرقمي لأن المراهق في هذه المرحلة لا يزال عرضة لتأثيرات نفسية واجتماعية كبيرة، ولأن المسؤولية القانونية يجب أن تُبنى على النضج الحقيقي لا على العمر الشكلي فقط. فكما ترتبط كثير من المسؤوليات القانونية والاجتماعية بسن 18، يجب أن يرتبط الدخول الكامل إلى الفضاء الرقمي بالسن نفسها.

في العراق، ما زال هذا الملف غائبًا عن النقاش التشريعي الجاد، رغم أن المخاطر تتزايد يومًا بعد آخر. فالمراهق اليوم قد يتعرض للابتزاز، أو الإدمان الرقمي، أو العزلة النفسية، أو التأثر بالمحتوى العنيف، من دون وجود قانون واضح يحميه أو يحدد مسؤولية المنصات تجاهه.
إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى التوعية، بل إلى تشريع عراقي واضح يحدد سنّ البلوغ الرقمي بـ18 عامًا، باعتباره سنًا أكثر انسجامًا مع النضج النفسي والاجتماعي والقانوني. فحماية المراهق ليست تقييدًا لحريته، بل حماية لمستقبله.
إن رفع سنّ البلوغ الرقمي إلى 18 عامًا لم يعد ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة وطنية لحماية جيل كامل يعيش داخل الشاشات أكثر مما يعيش في الواقع. فالمراهق لا يحتاج فقط إلى هاتف ذكي، بل إلى قانون ذكي يحميه أيضًا.

قد يعجبك ايضا