تطلعات كٌرد العراق للإدارة الذاتية او الاستقلال في مطلع عام 1926

الدكتور مؤيد الونداوي

فيما يلي مطالعات مما أوردته تقارير الاستخبارات الجوية البريطانية العاملة في العراق حول موقف وتطلعات كورد العراق للفوز بإدارة ذاتية في اطار الدولة العراقية او حتى ان امكن الفوز بالاستقلال وتشكيل الدولة التي يتطلعون اليها.
تقرير الاستخبارات الرقم 1 الصادر في بغداد بتاريخ 7 يناير 1926 أورد ان رئيس الوزراء قد ارسل برقيات إلى مستر بالدون وإلى عصبة الأمم يعبّر فيها عن شكر حكومة العراق لقرار مجلس عصبة الأمم فيما يتعلق بالحدود المتنازع عليها بين تركيا والعراق.
ورغم حجم الارتياح الكبير الذي شهدته الموصل عقب قرار العصبة الا ان المنطقة الكردية كانت لا تزال تشهد اعمال مخلة بالامن والنظام بعضها سياسي وأخرى غيرها جنائي.
في تقرير الاستخبارات رقم 2 الصادر في 21 يناير 1926 ورد الاتي:
1.في 13 كانون الثاني، وُقّعت المعاهدة الأنكلو-عراقية الجديدة من قبل المندوب السامي بالنيابة ورئيس الوزراء. وقد أقرّها مجلس النواب في 18 كانون الثاني، ومجلس الأعيان في 19 كانون الثاني.
2. قرر مجلس الوزراء الاستمرار في تقديم بعض الإعانات للشيوخ حتى نهاية السنة المالية.
3. الشيخ محمود موجود مع عائلته عبر الحدود الفارسية.
4. تُدرس إجراءات لتسوية اللاجئين الآثوريين في الأراضي العراقية جنوب “خط بروكسل”.
5. يُقال إن الأتراك مستمرون في اتخاذ تدابير لتشكيل عصابات قبلية، ويعانون من صعوبات كبيرة بسبب الثلوج في مهمة تموين نقاطهم في گويان.
في هذه الاثناء كانت مسألة كردستان قد دخلت بشكلٍ كبيرٍ في مناقشات المعاهدة الجديدة قبل إقرارها وهو موضوع كان جاريةً بين سياسيي بغداد وأعضاء حزب الشعب. وقد رأى البعض أن الحكومة البريطانية تنوي تفسير بند عصبة الأمم المتعلق بالمناطق الكردية من خلال إنشاء مقاطعةٍ كرديةٍ وآثوريةٍ تتمتع بالحكم الذاتي. وغنيٌّ عن القول إن هذه النية غير موجودة. يمكن الجزم بأن إحجام تركيا عن التخلي عن ولاية الموصل نابعٌ إلى حدٍّ كبير من الخوف من أن تُثير الامتيازات التي تمنحها الحكومة العراقية للكورد في العراق كُرد تركيا على معارضةٍ أشدّ لسياسة التتريك التي انتهجتها الحكومة الكمالية. ولتهدئة هذا القلق، يجب إثبات أنه على الرغم من المعاملة الكريمة التي حظي بها الكُرد في العراق، فإن الولايات الكردية تُشكّل جزءًا لا يتجزأ من الدولة العراقية.
في السليمانية عاد الشيخ محمود إلى عائلته في “والاجير” قرب مهاباد (فارس). كَرّيم فتاح بيك وقليل من الهماوند يعيشون في “يالامبة”، على بعد 13 ميلًا جنوب بنجوين. يقوم خليفة يونس وسيد رشيد جباري برفقة حوالي 20 من أتباعهم بجمع الضرائب في جبل قرة داغ. وفي 30 ديسمبر اصطدم فريق من الشرطة بجزء من هذه العصابة؛ فقُتل شرطيّان وقُتل ثلاثة من قطّاع الطرق.
وكان الشيخ محمود قد رد بخطاب طويل على خطاب سعادة المندوب السامي المؤرخ 11 نوفمبر 1925. وخلاصة رده أنه لا يستطيع القدوم إلى بغداد لأنه صادق تمامًا فيما يتعلق بموقفه السياسي ولا يعتقد أنه سيتمكن من العودة إلى لواء السليمانية. منح القائم بأعمال المندوب السامي الإذن بنشر هذه المراسلات مع إشعار بأن الحكومة لن تسمح بعد الآن بتولي الشيخ محمود منصب الحاكم تحت أي ظرف من الظروف.
تقرير الاستخبارات المرقم 3 والصادر في بغداد بتاريخ 4 فبرابر 1926 احتوى تفاصيل كثيرة حول أنشطة سياسية ومبادرات اطلقها زعماء كرد. وكانت البداية في اجتماعات مجلس النواب إذ في اجتماع البرلمان بتاريخ 21 يناير وردّاً على سؤال طرحه ياسين باشا الهاشمي (بغداد) حول تفسير فقرات قرار مجلس العصبة المتعلقة بـ “حماية جميع عناصر سكان العراق”، أدلى رئيس الوزراء بتصريح مهم حول سياسة الحكومة تجاه الكرد والطوائف غير المسلمة، قال فيه:
“يعلم الجميع أنه عند تأسيس حكومة العراق تم تحديد سياستها تجاه الكرد والطوائف غير المسلمة. فقد رأت الحكومة أنه من واجبها منح سكان الشمال، خصوصاً الكورد، حقوقهم الوطنية وضمان أن تكون لهم إدارة مرضية تتوافق مع مصالحهم. كلنا متفقون على هذا الأمر. وقد أقرّت الجمعية التأسيسية بهذه الحالة قبل صدور قرار العصبة. إن الفقرة 3 من قرار العصبة لا تحوي ما يتعارض مع رغبات البلاد. وقد استفسرت من المندوب السامي حول هذه النقاط وتلقيت منه الرد التالي.”
تلقيتُ رسالتكم رقم 66 بتاريخ 9 يناير/كانون الثاني 1926، بشأن البندين 3 و4 من قرار مجلس عصبة الأمم، المتعلق بالحدود التركية العراقية.
“لقد أصدر السير هنري دوبس بيانًا واضحًا للسياسة البريطانية تجاه كردستان، وأقرّه السيد أميري في محادثة مع رئيس الوزراء السابق ياسين باشا، بتاريخ 12 أبريل/نيسان 1925. أؤكد لسعادتكم أن الحكومة البريطانية لا تنوي التراجع عن تلك السياسة، التي لا تتأثر بأي شكل من الأشكال بالبند 3 من قرار مجلس عصبة الأمم. ويبدو لي أن السياسة التي تنتهجها حكومة العراق حاليًا في المناطق الكردية تتفق تمامًا مع رغبات الكرد كما أشارت إليها لجنة الحدود، وكل ما سيتطلبه الأمر هو إعلان رسمي واضح عن طبيعة تلك السياسة ونية الحكومة الاستمرار فيها. ربما يكون الإعلان في شكل قرار صادر عن البرلمان العراقي؛ لكنني سأخاطب معاليكم لاحقًا في هذا الشأن.
“في البند الرابع من قراره، يشير مجلس عصبة الأمم إلى المسائل الخاصة الثلاث المذكورة في التوصيات الخاصة للجنة الحدود. ولا يطلب تقريرًا، بل يقترح فقط اتخاذ إجراء، قدر الإمكان، وفقًا لمقترحات لجنة الحدود.” لذا، لا داعي لإصدار إعلان خاص في هذه الحالة، مع أنه من المؤكد أن لجنة الانتداب الدائم ستولي هذه النقاط اهتمامًا خاصًا في دراستها السنوية لإدارة العراق.
تتعلق النقطة الأولى بمعاملة الأشخاص في المنطقة المتنازع عليها الذين تآمروا ضد الحكومة العراقية، ومن الواضح أنه لا يمكن معالجتها حتى يصبح قرار مجلس عصبة الأمم نهائيًا وتقبله تركيا. أما المسألة الثالثة، المتعلقة بحرية التجارة مع تركيا، فلا يمكن النظر فيها حاليًا أيضًا. أما المسألة الثانية، وهي حماية الأقليات، فتُناقَش في المادة الثالثة من المعاهدة وفي القانون الأساسي. قد يلزم اتخاذ تدابير خاصة فيما يتعلق بالآثوريين، ولكن لا داعي لاتخاذ أي إجراء في الوقت الحالي.
ستبقى السياسة الحالية للحكومة العراقية دون تغيير، باستثناء أنه قد يتعين على الحكومة اتخاذ بعض التدابير الخاصة فيما يتعلق بالآثوريين.
أيها السادة، سيكون من المستحيل على هذه الأمة أن تستمر ما لم تُمنح جميع فئات الشعب العراقي حقوقها. نعلم جميعًا حجم الكارثة التي أحدثها الأتراك بسلبهم حقوق هذا الشعب ومنعهم تقدمه. فليكن هذا تحذيرًا لنا حتى لا نعود إلى السياسة التركية القديمة. يجب منح الكرد حقوقهم، وأن يكون لهم مسؤولون كرد، وأن يستخدموا لغتهم الخاصة، وأن يُدرّس أطفالهم بلغتهم الأم في المدارس. من الصواب أن نعامل جميع الشعوب على قدم المساواة، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. يجب أن نعاملهم بإنصاف، وأن نعاملهم بعدل، وأن نمنحهم حقوقهم. وقد استقبل مجلس النواب هذا البيان بارتياح كبير.
وكانت المعلومات الواردة من السليمانية تفيد وقتها إن الشيخ محمود قد التقى بقائد الحامية الفارسية في بانه الذي جاء لرؤيته داخل الحدود العراقية. ومن المرجح أن الاجتماع له علاقة بمصادرة الخيول التي ادّعى حاكم سقز أنه صادرها في تشرين الثاني الماضي من فرسان الشيخ محمود. وقد احتجّ المندوب السامي بالوكالة على ذلك. وأشارت المعلومات ان الشيخ محمود عاد إلى دفع معاشه الشهري اعتبارًا من 21 كانون الثاني، بعد محاولة فاشلة لتعيين رئيس صغير لعشيرة الأوروُمان كمُدير ناحيَة. وتظهر الحالة العامة علامات تحسّن. فقد قلّت الدعاية المتطرفة بين العشائر هذا العام. وقد أُرسل رسول إلى “برزنجه” برسائل إلى السلطات المدنية في السليمانية، وقيل له إنّه إذا صيغت رسائل الشيخ محمود بأسلوب أقل حدّة فلن يواجه الرسول صعوبة في تسليمها. غير أنّ محاولات جمع “الضرائب” في “قره‌داغ” لم تحقق نجاحًا يُذكر، ويبدو أنّ أتباع الشيخ محمود يشعرون بأن حياة الخارج عن القانون ليست مستحبّة كما كانت. وقد قام سيد علي باخجه، أحد زعماء العصابات، بالاستسلام غير المشروط ومعه ثلاثة من أتباعه المسلحين، بينما وضع خليفة يونِس وآخرون وسطاء للتسليم. وكانت ظروف الثلوج والشتاء تمنع التحركات العسكرية في الجبال، ولا تزال تُصعّب على الأتراك إمداد مراكزهم الحدودية. كما باءت محاولات السلطات التركية المحلية لتحريض قبائل الحدود على إرسال عصابات إلى الأراضي العراقية بالفشل. استاء زعماء غويان، ورفض جميل سندي القيام بأي شيء دون دعم عسكري. عبد الرحمن آغا من شرناخ، الذي أُطلق سراحه من سجن طويل وسُمح له بالعودة إلى منزله بشرط، كما يُعتقد، أن يُساعد الحكومة التركية في تشكيل عصابات قبلية لغزو العراق، دعا اثنين من زعماء الغويان اللاجئين في قضاء زاخو للترتيب لغزو الأتراك بينما يُثير الثورة في شرناخ، وسأل عن المساعدة التي يمكن أن يتوقعها من الحكومتين البريطانية والعراقية. نصح قائمقام زاخو الزعيمين بالامتناع عن أي تدخل في الشؤون عبر الحدود، واقترح القائم بأعمال المفوض السامي على وزارة الداخلية إصدار تعليمات إلى سلطات الموصل باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لضمان عدم ارتباط أي شخص في العراق بأي شكل من الأشكال بالحركات المتمردة في تركيا.
تقرير الاستخبارات الرقم 4 الصادر بتاريخ 18 فبراير 1926 أشار انتشار الشائعة حول رسالة قرأها محمد حبيب الطالباني في 29 يناير/كانون الثاني في منزل عبد الله أفندي مخلص، الذي قال إنه تلقاها من كركوك. وجاء في الرسالة أن الشائعات كانت سائدة في كركوك حول تشكيل الدولة، وأن هناك تكهنات كبيرة حول صحة الشائعة، ونطاق الحكومة المقترحة، وعلاقتها بالحكومة العراقية. وقال رفيق أفندي إنه تلقى استفسارات مماثلة، وأبلغ مستفسريه أنه لا أساس لهذه الشائعات، على حد علمه.
.وكان رئيس الوزراء كان قد اعقب بيانه في مجلس النواب بشأن السياسة الكردية برسالة إلى جميع الوزراء، لفت فيها انتباههم إلى أن تعيين مسؤولين كُرد واستخدام اللغة الكردية في المناطق الكردية جزء من تلك السياسة.
واقترح القائم بأعمال المفوض السامي إنشاء مكتب ترجمة كردي في بغداد لترجمة الكتب والقوانين وغيرها إلى اللغة الكردية. ويجري تنفيذ هذا الاقتراح. كما اقترح القائم بأعمال المفوض السامي توجيه وزارات التربية والاتصالات والأشغال، على التوالي، لإيلاء اهتمام خاص لاحتياجات كردستان في مجال المدارس والطرق.
في الثاني من فبراير/شباط، اجتمع أحد عشر شيخًا ونائبًا كرديًا في منزل محمد حبيب طالباني، أحد النواب الكُرد عن كركوك، في بغداد. وقدم محمد حبيب طالباني بيانًا للمناقشة والموافقة يتضمن أربعة مطالب اقترح عرضها على مجلس النواب. والمطالب الأربعة هي:
(1) الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية في مجلس النواب، وأن يتحدث النواب الكُرد باللغة الكردية.
(2) أن تُنشر جميع القوانين باللغتين الكردية والعربية.
(3) المطالبة بإبلاغهم بتفاصيل الإدارة الكردية المقترحة.
(4) المطالبة بأن يكون ثلث أعضاء مجلس الوزراء والمسؤولين كُردًا.
بعد المناقشة، رفض ستة من الحزب، خمسة نواب وعضو في مجلس الاعيان، الموافقة على البيان، وقالوا إنهم سيدعمون الحكومة.
وتضمن تقرير الاستخبارات الرقم 5 الصادر بتاريخ 4 مارس 1926 الى انه وفي اجتماع الوزارة بتاريخ 16 شباط، وافق مجلس الوزراء على مقترح قدّمته وزارة الداخلية لإعادة تشكيل قضاء رانية، والذي كان منذ تقديم منطقة البشدَر في عام 1925 قد أصبح كبيرًا جدًا بحيث لا يمكن إدارته كناحية. وهو يشكل جزءًا من لواء السليمانية. هذا الإقرار جاء حين كانت تُثار مسألة حكومة كوردستان بين النواب الكُرد ، ويجري الجدل حولها بشدة، لكن الآراء مضطربة، والتحريض يثير المعارضة ليس بين العرب فحسب، بل بين التركمان أيضاً في كركوك. ومن تقارير الوكلاء وغيرهم يظهر أنّ هناك مدرستين من الفكر بين الأكراد، وهما:
(1) أن تكون هناك دولة مستقلة تماماً، لها رئيس منتخب وجمعية منتخبة، على أن تكون في اتصال مباشر مع سعادة المندوب السامي.
(2) أن أي مشروع من هذا النوع هو مشروع سخيف، لا يؤدي إلا إلى الفتنة والمتاعب ولا يعود بالنفع على أحد.
ويبدو أن أنصار الرأي الأول هم رفيق أفندي ومحمد حبيب الطالباني، بينما أنصار الرأي الثاني لا يقودهم أحد بعينه لكنهم يشكلون الأغلبية.
صرّح رفيق أفندي في 12 فبراير بأن عصبة الأمم قد قررت أن “تعطي الكُرد حقوقهم”، وأنه أصبح من الواجب على جميع الكُرد المطالبة بذلك بصوت واحد. وقال إن بعضهم — لعدم تمكنهم من الحصول على الإجماع — كانوا يؤيدون اجتماعاً سابقاً للنواب الكُرد عُقد في بيت محمد حبيب الطالباني (في 108 شارع الرشيد)، وكتبوا إلى ناخبيهم بهذا التأييد. كما قال إنه عُقد اجتماع آخر في بيت محمد حبيب الطالباني في 11 فبراير، حيث نوقشت حدود كوردستان المقترحة وشكل الحكومة. وتم تقرير أن تشمل الحدود المنطقة الممتدة تقريباً من خانقين إلى زاخو، وأن تكون الحكومة حكومة منتخبة برئيس منتخب، وفي اتصال مباشر مع سعادة المندوب السامي. واتفقوا جميعاً على أنهم لا يرون أي فائدة تُجنى من الارتباط بالعراق.
في 14 فبراير، في بيت نشأت بك من كركوك، كان نشأت بك، إبراهيم آل حيدري، عبد الله صافي، محمد حبيب الطالباني، وحاجي علي القره داغي يناقشون الأمر. قال عبد الله صافي إن الوضع كان غامضاً وإن هناك قدراً كبيراً من الفوضى والجدل العقيم. وأوضح أن الحكومة البريطانية ترغب في تشكيل حكومة كردية على صلة وثيقة بالحكومة العراقية، لكن ذلك غير مقبول. ما يُراد هو حكومة كردية يرأسها كردي غير خاضع للحكومة العراقية، وإنما يكون على صلة بالمندوب السامي. وقال إن وضع كوردستان أكثر أهمية لديه من شؤون العراق، معللاً بأن الكُرد يعيشون ضمن مناطق عراقية وإيرانية وتركية، وهم يمتلكون وزناً سياسياً أكبر من عرب العراق، ويجب التعامل مع هذه المسألة بحذر شديد، لأن أي خطأ ستكون عواقبه خطيرة، سواء على الإنجليز أو العراقيين، عند التعامل مع المسألة الكردية.
وافق حاجي علي القره داغي إلى حد معين، لكنه كان يرى أنه قبل تشكيل أي حكومة، يجب السعي للحصول على دعم الأتراك، الذين لو تمكنوا من تفكيك العراق (والإنجليز) لاغتنموا الفرصة. وأكد أنه لو تشكلت حكومة كردية فإن الأتراك سيسعون حتماً للعمل عبر كُرد خدموا تحتهم، ولديهم خبرة في الشؤون الكردية (وهو تلميح خفي لإبراهيم آل حيدري). الحاضرون تبادلوا النقاش طويلاً دون التوصل إلى نتيجة.
وعلى الجانب الآخر، في بيته يوم 13 فبراير، قال عبد الله مخلص إنّه هو وكثيراً من النواب يسخرون من فكرة كردستان مستقلة، وأن التحريض والمخططات يقوم بها أولئك الذين تصوّروا أنهم سينالون مناصب عالية تحت أي حكومة تتشكل. كانوا جميعاً على علم بالمقترحات والقرارات الخيالية الموضوعة من قبل رفيق أفندي ومحمد حبيب الطالباني. وأكد أن بريطانيا قد وضعت، أو هي بصدد وضع، مشروع لحكومة كوردستان، وأن ذلك سيكون بالتأكيد أفضل للبلاد. ومع ذلك — وبغض النظر عن شكل الحكـم — فإن أساسه سيكون أقرب ارتباط ممكن مع بقية العراق. وأضاف أنه لا يوجد بين الكُرد من هو نزيه بما يكفي أو قادر على التعامل مع المصالح المتضاربة، بحيث يمكنه العمل بانسجام مع المسؤولين البريطانيين. وافق إسماعيل بك الراوندوزي الحاضر آنذاك، قائلاً إن الكُرد بطبيعتهم مشتتون ولا يعرفون كيف يديرون شؤونهم. فكيف يتوقع المرء نجاحهم — ولو بدرجة ضئيلة — في مهمة الحكم الذاتي؟ وأعرب عن اتفاقه بأن المشروع سخيف، وأن أي محاولة لتنفيذه ستجلب المتاعب والمشكلات للبريطانيين.
وبعد ذلك، يبدو أن إسماعيل بك الراوندوزي قد انضم إلى محمد حبيب الطالباني. وفي بيته يوم 15 فبراير، كان الحاضرون:
إسماعيل بك الراوندوزي،
محمد حبيب الطالباني،
رفيق أفندي خادم السجادة،
سعيد حاجي حسن.
أخرج محمد حبيب الطالباني مسودات أو نسخاً لرسالتين كان قد أرسلهما، أو نوى إرسالها، إلى كركوك. وكانت الرسالتان تتعلقان بأنه، عندما تتحدد حكومة كردية أو شكل الحكومة، يجب على جميع الكُرد أن يركزوا دعايتهم على الاتصال المباشر بسعادة المندوب السامي وليس مع الحكومة العراقية. يجب عليهم السعي للحصول على نفس القدر من الاستقلال الذي يتمتع به العراق. وقال رفيق أفندي إنه كتب رسائل مشابهة. وقال إسماعيل بك إنه خلال الأسبوع الماضي، بالتعاون مع سعيد طه أفندي قائمقام راوندوز، كانوا قد كتبوا إلى رؤساء القبائل حول هذا الموضوع وينوون الاستمرار. وقال سعيد حاجي حسن إنه لم يكتب إلى السليمانية لعدم وجود من يمكن الاعتماد عليه هناك. لكنه كتب إلى مرغه، بشدر، آق جلر وبعض عشائر الجاف، لكنه يعتقد أن الشيخ محمود سيسبب المتاعب لأي حكومة.
وفي 16 فبراير، في بيته، أخرج رفيق أفندي خادم السجادة خمس رسائل كان قد استلمها من كركوك. قُرئت الرسائل وكانت كلها تعلمه بأن الكُتّاب قد كتبوا إلى أربيل، رانية، كوي سنجق، راوندوز، خوشناو، مرغه، بشدر، دزدي، وتعهدوا بكتابة رسائل إلى النواب الكُرد الموجودين الآن في بغداد. وقال إن الكُتّاب يجب أن يكونوا شديدي الحذر بسبب صرامة الحكومة، وأن بعض الخوف كان يُحس حتى عند قراءة الأوراق في بغداد. ومع ذلك، كان قد عُقد اجتماع سري في كركوك لمناقشة الرسائل، وانتهى إلى النتيجة المذكورة سابقاً. كما قرروا أنه — بسبب مراقبة الحكومة — لن يعقدوا اجتماعاً ثانياً، بل سيكتفون بالمراسلات، وطلبوا من رفيق أفندي التأكد من أن جميع رسائله تُرسل بواسطة رسل موثوقين. وقد قال نشأت أفندي إنه ضد حكومة كردية لأنه لا يوجد أكراد يمتلكون الكفاءة أو القدرة الدعائية، وإن ذلك سيؤدي فقط إلى الاضطرابات والمتاعب.
هذا وقد تلقى ضياء بك الشريفي رسالة من الموصل تخبره بأن الرأي العام يعارض تشكيل حكومة كردية، وأن هذا الاقتراح أثار رد فعل قوي ضد الحكومة. وقد وصلت رسائل من النواب الكُرد إلى زاخو، دهوك، العمادية، وعقرة بخصوص الإدارة الكردية المقترحة، وأدت إلى أن القرويين المحليين بات لديهم رأي مبالغ فيه عن أهميتهم وبدأوا ينظرون إلى العرب باستخفاف. وحتى الآثوريون اتخذوا الموقف نفسه، ولذلك كان التجار من الموصل يخشون الذهاب إلى المناطق الكردية لمزاولة التجارة.
وتلقى عبد الله صافي رسالة من أخيه، متصرف كركوك، يطلب فيها معلومات دقيقة حول ما يُشاع كثيراً عن الحكومة الكردية، حيث انتشرت شائعات في كركوك. وطلب صاحب الرسالة معرفة شكل الحكومة، وكيف ستُدار الأعمال، وما هو الارتباط مع الحكومة العراقية. وقال إنه، حسب علم عبد الله صافي، فإن كركوك، طوز خورماتو، طاوق، آلتون كوبرى، وأربيل يسكنها الأتراك، وتساءل: ما هو وضع هذه المناطق في ظل أي حكومة كردية — هل ستكون تحت الكرد أم الحكومة العراقية؟ وهو على يقين بأن السكان سيكونون معارضين بشدة للفكرة الأولى.
وقد رد عبد الله صافي بأنه مصدوم من الرسالة، لكنه أضاف أنه، رغم استفساراته في الدوائر الرسمية، لم يتمكن من معرفة ما سيحدث. وعلّق على شعور السكان الأتراك في اللواء تجاه أي حكومة كردية، وأن ذلك سيكون عقبة خطيرة أمام تقدم العراق. واتهم النواب الكُرد بأنهم سبب هذه الفوضى السياسية.

قد يعجبك ايضا