الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي
في لحظات الأزمات الكبرى تحتاج الأوطان إلى قادة يمتلكون القدرة على تحويل التعقيد إلى فرص، والخلاف إلى تفاهم، والجمود إلى حركة سياسية إيجابية. وفي المشهد السياسي العراقي يبرز اسم نيجيرفان بارزاني بوصفه رجل المهمات الصعبة الذي اعتاد أن يتحرك عندما تضيق المسارات وتتعقّد الملفات، ليعود بنتائج تفتح أبواب الأمل وتعيد الثقة بإمكانية الحل.
لقد أثبتت زيارته الأخيرة إلى بغداد أن الحوار الصادق ما زال الطريق الأقصر نحو الاستقرار، وأن الدبلوماسية الهادئة قادرة على تحقيق ما تعجز عنه لغة التصعيد. فقد جاءت الزيارة في توقيت حساس مليء بالتحديات السياسية والاقتصادية، وعاد منها بنتائج تعكس نجاح نهج التفاهم والانفتاح بعد أن استطاع تقريب وجهات النظر وبناء أرضية مشتركة مع قوى الإطار التنسيقي والقوى السنية، في خطوة أعادت الثقة بإمكانية تجاوز الانسداد السياسي عبر لغة الحوار.
ولا يمكن فهم نجاح هذه التجربة دون العودة إلى المدرسة السياسية التي نشأ فيها، فقد تتلمذ على يد مسعود بارزاني، أحد أبرز القادة الذين رسخوا مفهوم الواقعية السياسية والحكمة في إدارة الأزمات. هذه المدرسة قامت على مبادئ واضحة تتمثل في تقديم الحوار على الصدام، وحماية الاستقرار، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. وقد انعكست هذه القيم بوضوح في أسلوبه السياسي؛ فهو يميل إلى التهدئة بدل التصعيد، وإلى بناء الجسور بدل هدمها، وإلى البحث عن الحلول المشتركة بدل تعميق الخلافات، وهو ما جعل تحركاته تحظى باحترام مختلف الأطراف السياسية.
إن التحرك نحو بغداد لم يكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل كان مهمة سياسية دقيقة هدفها إعادة فتح قنوات الثقة وتعزيز الشراكة الوطنية في العراق. وقد أثبتت اللقاءات التي عقدها أن الإرادة السياسية قادرة على تجاوز العقبات عندما تتوفر النية الصادقة. فالقدرة على جمع أطراف مختلفة حول طاولة واحدة تتطلب مهارات سياسية عالية وصبراً طويلاً ورؤية بعيدة المدى، وهذه الصفات ظهرت بوضوح في مسار الزيارة التي نجحت في خلق أجواء إيجابية ومناخ من التفاهم يمهد لمرحلة أكثر استقراراً وتعاوناً.
وأهم ما حملته هذه الزيارة هو رسالة الطمأنينة للمواطنين بأن الخلافات السياسية ليست قدراً دائماً، وأن الحلول ممكنة عندما تتوفر القيادة الحكيمة. فالمواطن لا يبحث عن تفاصيل الخلافات بقدر ما يبحث عن الاستقرار وفرص العمل وتحسين الخدمات، وأي تقارب سياسي ينعكس مباشرة على حياته اليومية. وقد شعر الشارع بأن هناك جهداً حقيقياً يُبذل لفتح صفحة جديدة من التعاون، وأن لغة التفاهم بدأت تتقدم على لغة الخلاف، وهو ما يعزز الثقة بالمستقبل.
لقد عاد نيجيرفان بارزاني من بغداد منتصراً لنهج الحوار، مؤكداً أن الأبواب التي تُفتح بالتفاهم تبقى مفتوحة أمام الأمل، وأن القيادة الحقيقية هي التي تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تهدم، وتبحث عن المشترك بدل تضخيم الخلاف. إن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار هذا النهج، لأن الاستقرار لا يُبنى بالصدام بل بالشراكة، ولا يتحقق بالقطيعة بل بالحوار. وما تحقق في بغداد يؤكد أن العراق بحاجة إلى مزيد من الجسور لا الجدران، ومزيد من التفاهم لا التنازع، ومزيد من القيادات التي تجعل من الحوار طريقاً دائماً نحو المستقبل.
إنها رسالة واضحة مفادها أن من يتعلم من مدرسة القيادة الحكيمة يمتلك القدرة على فتح أبواب الحلول وصناعة الأمل.