ضرورة تجديد حقوق الإنسان

 

محمد فال ولد المجتبى

قليلة هي القضايا التي حظيت بمثل الاهتمام الذي حظيت به قضية حقوق الإنسان، فمنذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 والقضية تمثل انشغالا حاضرا في الأوساط الأكاديمية والأدبيات السياسية لأغلب الأحزاب والمنظمات الأهلية، فضلا عن كونها موضوع شد وجذب لا ينقطع على مستوى الساحة الدولية .

لكن ثمة مفارقة كبيرة في ما يتعلق بحقوق الإنسان، هي أنه لا أحد يجرؤ على المجاهرة برفض فكرتها، لكن الجميع يعتدي -أو هو مستعد للاعتداء- عليها. وإذا كانت أنظمة العالم الثالث قد اعتدت دائما على حقوق الإنسان لأنها أصلا لا تهتم باحترامها فإن حكومات البلدان “المتحضرة” إنما ظلت تبدى عناية خاصة باحترام تلك الحقوق لأنها ببساطة لم تكن تجد ضرورة للاعتداء عليها .

من ثم فإن هذا الإجماع الصوري حول شعارات حقوق الإنسان لا يعكس حقيقة الموقف على أرض الواقع، فهناك تراجع ملحوظ في احترام حقوق الإنسان على أكثر من صعيد، والتناقض بين الشعار والممارسة لدى أدعياء الفكرة حمل الكثيرين على التساؤل عن مدى مصداقية المشروع أصلا، في ما يكتفي آخرون بالتأكيد على أنه أضحى بحاجة إلى مراجعة شاملة تستعيد له وظيفته الأصلية وتجعله في مستوى التحديات المستجدة .

 

يقولون إن الضعيف هو وحده الذي يهتم عادة بالحقوق لأنها وسيلته لحماية نفسه، أما القوي فحسبه القوة وسيلة لضمان مصالحه، وهذا القول صحيح إلى حد كبير، ومقتضاه أن سيادة مفاهيم الشرعية ودولة القانون تمثل في المقام الأول انتصارا لقوة الحق في وجه التعسف القائم على منطق القوة .

وقد كان الأمر على هذا النحو في بدايات ظهور فكرة حقوق الإنسان، حيث جاء الجيل الأول من الحقوق الأساسية التي أقرتها الإعلانات الصادرة عن الثورتين الفرنسية والأميركية أواخر القرن الثامن عشر ليمثل انتصارا للإنسان/المواطن في مواجهة طغيان السلطة المطلقة للدولة، ثم توالت أجيال حقوق الإنسان منذ ذلك التاريخ في صورة مكاسب تنتزع ممن كانوا يملكون كل شيء ليشاركهم الاستمتاع به من لم يكونوا يملكون أي شيء .

يمكن القول إن فكرة حقوق الإنسان بدأت بسيطة في عرضها، وكانت أهدافها واضحة وتتمثل في إعادة الاعتبار إلى مبدأ التساوي في الكرامة الإنسانية عبر إعادة توزيع السلطة والاعتبار الاجتماعي.. وإلى حد ما الثروة .

بطبيعة الحال، لم تجر الأمور دائما على هذا السنن الواضح، فالانحراف والقصور والتراجع كانت سمات طبعت مراحل معينة من مسيرة حقوق الإنسان، لكن الوضع لم يكن في أي وقت أسوأ مما هو عليه الآن، فقد أفرغت حقوق الإنسان تدريجيا من مضمونها التحرري الأصلي وكادت تفقد غطاءها الأخلاقي لأنها تحولت إلى شعار في يد القوى المتنفذة ذات النزعة الاستعلائية والتراث الاستعماري، تستغله متى شاءت لابتزاز خصومها السياسيين على أن تتناساه عندما يتعلق الأمر بحلفائها أو أصدقائها .

 

ثم إن هذه القوى نفسها ما فتئت تروج مفهوما مجتزأ وناقصا لحقوق الإنسان يختزلها في الحقوق السياسية والمدنية ذات الطبيعة الفردية؛ وانطلاقا من نظرة إيديولوجية محافظة، تقيم تعارضا جوهريا بين قيمة الحرية وفكرة العدالة، أهملت هذه القوى باستمرار مسألة العدالة الاجتماعية التي هي شرط ضروري للتمتع بكل حقوق الإنسان الأساسية .

غير أن القوى الغربية لم تعد تكتفي بالانتقاء في فهم حقوق مواطنيها والاعتداء على حقوق الشعوب الأخرى والتعامل المزدوج مع ملفات خرق حقوق الإنسان خارج حدودها، بل غدت تمارس أخطر أنواع الاعتداء على حقوق الإنسان على أراضيها نفسها وضد مواطنيها .

 

أزمة الخطاب والمحتوى

تنقل المصادر أنه خلال المداولات التي مهدت للمصادقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 التفت أحد المندوبين إلى بعض زملائه المشاركين في المؤتمر قائلا “إنني أوافق على كل بنود هذا الإعلان بشرط واحد، ألا تسألوني لم وافقت عليها أو كيف أفهمها “.

تلك الملاحظة العارضة كشفت في وقت مبكر وجود ثغرة كبيرة في بناء مشروع حقوق الإنسان، وهي أن الإجماع المبدئي الذي حظي به الإعلان العالمي لا يمكن أن يخفي الخلاف النظري العميق حول بعض المنطلقات الفلسفية التي يستند إليها والتهرب الواضح من القبول بمدلول محدد يمكن إلزام كل الأطراف به .

 

وهذه الفجوة بين الاحتفاء السياسي الدولي بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وارتياب البعض في أسسه الفلسفية وإعراض الكثيرين أو تقاعسهم عمليا عن الالتزام بمقتضياته تعكس أزمة الخطاب والمحتوى التي يعانى منها مشروع حقوق الإنسان، وتتجسد في غياب توافق كاف حول مبررات شرعية حقوق الإنسان من جهة وغياب فهم محدد لمضمون هذه الحقوق من جهة أخرى .

من الواضح أن إعلان 1948 ينطلق من فكرة العالمية باعتبارها أحد المقومات الأساسية لمفهوم حقوق الإنسان، ويبدو أن الفهم السائد لمبدأ العالمية ينتمي إلى تيار العقلانية الأخلاقية المتأثر، ولو بدرجات متفاوتة، بالأطروحات التقليدية لمدرسة القانون الطبيعي، ونتج عن ذلك تبني مفهوم مجرد لحقوق الإنسان باعتبارها حقوقا أخلاقية مطلقة زمانا ومكانا، ومستقلة عن الأوضاع القانونية الخاصة مثلما هي مستقلة عن الظروف الاجتماعية التاريخية .

واضح أيضا أنه رغم التجاذب الإيديولوجي القائم لحظة صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإن رؤية إيديولوجية معينة انتصرت في النهاية، وهي رؤية ليبرالية محافظة تهتم بالحقوق التي تمثل حصانات أكثر مما تهتم بالحقوق كضمانات، ورغم محاولة استكمال هذا النقص من خلال عهود دولية صدرت لاحقا فإن الخلل الأصلي ظل قائما ولم يفتأ أثره يتفاقم خصوصا منذ اكتسحت العالم موجة العولمة الليبرالية الجديدة .

غلبة مرجعية معينة لفكرة حقوق الإنسان وانتصار نظرة إيديولوجية محددة رجحت فهما غير متوازن للحقوق، أمران كان لهما الأثر البالغ -إلى جانب اختطاف شعار حقوق الإنسان على يد بعض القوى الدولية- في التنفير من الفكرة وإفراغها من محتواها، بتأثير النتائج السلبية .

قد يعجبك ايضا