اختبار الشراكة في العراق

كفاح محمود
 في الدول التي تتعدد فيها الهويات وتتشابك فيها الذاكرة السياسية، لا تُقاس “الشراكة” بالشعارات ولا بالمحاصصات، بل بقدرة الدولة على تحويل التنوع إلى نظام حكمٍ مستقر، وعلى جعل الدستور مرجعًا أعلى من إرادة السلاح والمصلحة الآنية، والعراق، منذ 2003، ظلّ يختبر هذه الفكرة على نحوٍ يومي: هل نحن أمام شراكةٍ اتحادية تُنتج دولة مؤسسات، أم أمام تسويةٍ هشة تُدار بالأزمات وتُطفأ بالتنازلات المؤقتة؟، وتظهر ملامح الاختبار بوضوح حين نقارن بين مناطق نجحت نسبيًا في تثبيت قدر من الاستقرار الإداري والخدمي، وبين محافظات تلقت موازنات ضخمة طوال سنوات لكنها بقيت تعاني من تدهور الخدمات وتفشي الفساد وضعف الإدارة، هنا لا يصبح السؤال:
من الأكثر حظًا أو تمويلًا؟
بل: من يمتلك نموذج حكمٍ أكثر قابلية للحياة؟
 فالمال، حين يُدار بلا مؤسسات رقابية فاعلة وبلا قواعد شفافة للمساءلة، لا يتحول إلى تنمية، بل إلى شبكات نفوذ وريع سياسي، وإلى “اقتصاد ظل”يبتلع المشاريع ويعيد إنتاج الفشل.
 في هذا السياق، يتحول نجاح أي تجربة إدارية داخل العراق إلى إحراجٍ سياسي لبعض القوى، لا إلى فرصة للتعلم وتعميم الخبرات، وبدل أن تكون الشراكة الاتحادية إطارًا لضمان الحقوق وتوزيع الثروة بصورة عادلة، تتعرض أحيانًا للتسييس بوصفها ورقة ضغط: تعطيل مستحقات، نزاعات مالية متكررة، توظيف الرواتب في الصراع السياسي، وفتح أبواب الخصومة حول الملفات السيادية والاقتصادية. ثم تأتي أخطر الرسائل حين تنتقل الخلافات من ساحة السياسة إلى ساحة الأمن والاقتصاد معًا، عبر استهداف منشآت الطاقة أو تهديد خطوط الإمداد، بما يحول الكهرباء والوقود إلى رهائن ضمن نزاع داخلي، ويعاقب المواطن قبل أن يضغط على خصومه.
 لا يمكن لأي شراكة أن تصمد إذا أُديرت بمنطق العقوبة المتبادل، فالشراكة، في جوهرها، عقد ثقة: أن يشعر الجميع بأن الدولة تحميهم بالمعايير ذاتها، وأن القانون يُطبق عليهم بالتساوي، وأن الخلافات تُحل عبر القضاء والمؤسسات لا عبر الضغط المالي أو الاستعراض الأمني، وحين تُفقد هذه الثقة، يدخل البلد في حلقة أزمات مُصنّعة: تتكرر المشكلة بصيغ مختلفة، ويصبح الاستثناء هو القاعدة، وتتحول الدولة من جهاز لخدمة المواطن إلى ساحة تنازع على الموارد والقرار.
 من هنا، فإن اختبار الشراكة في العراق ليس سياسيًا فقط، بل دستوري ومؤسسي بالدرجة الأولى، وأول عناصر الإصلاح هو استكمال البنية الاتحادية التي ظلّت ناقصة أو معطّلة: قيام المجلس الاتحادي بوصفه غرفة توازن دستورية تحفظ مصالح الأقاليم والمحافظات وتحدّ من اندفاع الأغلبية البرلمانية نحو قرارات أحادية، وتفعيل المحكمة الدستورية العليا بوصفها المرجع الذي يحسم النزاعات الدستورية بقرارات ملزمة وواضحة، لا بقراءات متعارضة تُدار في الإعلام أو في الغرف السياسية، من دون هاتين المؤسستين، تبقى الشراكة عرضة للتأويل، وتبقى الأزمة قابلة لإعادة الإنتاج في كل موسم.
 العنصر الثاني هو معالجة الملفات المؤجلة التي تحولت إلى ألغام سياسية، وفي مقدمتها المادة 140 الخاصة بالمناطق الكردستانية خارج إدارة الأقليم(المتنازع عليها)، واستمرار التعليق لا يجمّد المشكلة، بل يفاقمها: يفتح الباب أمام تغييرات سكانية قسرية أو ناعمة، ويُبقي الجغرافيا رهينة التنافس، ويمنح الجماعات المتشددة والمسلحة مساحة للتحرك تحت ذرائع الحماية أو الحق التاريخي، والحل هنا ليس في فرض أمر واقع جديد، بل في العودة إلى الدستور نفسه، وإلى مسارات قانونية وإدارية شفافة تضمن الحقوق وتمنع الانتقام الجماعي.
 

قد يعجبك ايضا