مقاربة إنسانية وتاريخية لسوريا المعاصرة

د. نورالدين خوشناو

بين الألم، الذاكرة، وإمكان الشراكة الوطنية

بصراحة، الاستغراب اليوم مؤلم بقدر ما هو مفهوم… استغراب الناس من صور وفيديوهات السجون. لأن الحقيقة كانت موجودة منذ زمن طويل، لا تقتصر على سنوات الحرب الأخيرة، بل تمتد إلى مرحلة ترسّخ فيها نمط حكم قائم على الخوف وتقييد الحريات، حتى أصبح جزءاً من الواقع اليومي لكثير من السوريين.

ما نراه اليوم لم يبدأ فجأة؛ بل هو نتيجة تراكمات من غياب المساءلة، ومن تضييق المجال العام، ومن بيئة لم تسمح للناس بالتعبير بحرية أو العيش بكرامة كاملة. لذلك فإن كثيراً من القصص التي تظهر الآن هي امتداد لذاكرة قديمة، كانت تُروى همساً أو تُكتم قسراً.

لقد تكلّم الناس، وكتبوا، ورفعوا الصوت بطرق متعددة… لكن ليس كل صوت كان يُسمع، وليس كل حقيقة كانت تُصدّق. أحياناً يختار البعض عدم السماع، وأحياناً يعجز العقل عن استيعاب قسوة الواقع. وهذا بحد ذاته جانب إنساني؛ فبعض الحقائق ثقيلة إلى درجة تُقابل بالإنكار أو التجاهل.

لكن الواقع لا يختفي إذا تجاهلناه. الألم موجود، والقصص موجودة، والضحايا كانوا دائماً موجودين. واليوم، قد تفتح الصور والفيديوهات أعين المزيد من الناس، لكن السؤال الأهم ليس الاستغراب، بل: هل سنختار أن نرى الآن؟ وهل سيتحوّل هذا الوعي إلى تعاطف حقيقي وعدالة مسؤولة تحفظ كرامة الإنسان؟

في سياق ذلك، لا يمكن إغفال أن فترات سابقة شهدت اختلالات في حقوق المواطنة المتساوية، بما في ذلك لدى شرائح من المواطنين الكورد الذين لم تُستكمل لهم حقوقهم المدنية والسياسية على نحو عادل. وفي الوقت ذاته، لا بد من الاعتراف بأن بنية السلطة في أي بلد غالباً ما تُنتج فئات تستفيد منها، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً من اختزاله في ثنائية بسيطة.

كما أن النقاش العام يتأثر أحياناً بإنكار أو تجاهل لوقائع تاريخية وثقافية راسخة. فالتاريخ السوري متعدد ومتداخل، وتواجد المكوّن الكوردي في المنطقة سابق لقيام الدولة الحديثة، وله إسهاماته المعروفة عبر العصور. ومن يقرأ التاريخ بموضوعية، يدرك أن التعدد ليس تهديداً، بل مصدر غنى حضاري وسياسي.

ومن هنا نصل إلى نقطة جوهرية تتعلق بالمستقبل: الدستور. الأمل اليوم معقود على أن يتمكن أي برلمان سوري جديد من صياغة دستور عادل ومتوازن، يكون فيه الحكم للقانون، لا لطائفة ولا لمذهب. فالدروس الإقليمية واضحة، وما حدث في بعض التجارب القريبة يُظهر أن تغليب الطابع الطائفي أو المذهبي في الحكم—حتى لو جاء بشعارات إيجابية—قد يؤدي إلى انقسامات عميقة بدل الاستقرار.

المطلوب ليس استبدال شكل من الهيمنة بشكل آخر، بل بناء نظام يقوم على المواطنة المتساوية، وفصل السلطات، وضمان الحقوق للجميع دون استثناء.دستور يضمن أن لا يشعر أي مكوّن—كوردي، عربي، علوي، درزي، مسيحي أو غيره—بأنه أقل أو مهمّش.

التاريخ يقدم لنا أمثلة مهمة:

الدول التي نجحت بعد أزمات كبيرة لم تعتمد على الغلبة، بل على عقود اجتماعية جديدة قائمة على الشراكة، كما حدث في تجارب أوروبية بعد الحروب، حيث تم الانتقال من الصراع إلى بناء دولة القانون والمؤسسات.

وفي الحالة السورية، يزداد التعقيد بسبب التداخلات الإقليمية والدولية—من قوى كبرى ودول مجاورة—ما يجعل القرار الوطني أكثر حساسية. لذلك، يصبح من الضروري أن يكون هناك وعي داخلي يحمي وحدة البلاد ويمنع تحويلها إلى ساحة صراع دائم.

ورغم كل ذلك، لا بد من الإقرار بأن الحفاظ على تماسك الدولة، مهما كانت التحديات، يبقى أمراً مهماً، بالتوازي مع السعي إلى الإصلاح والتطوير. فالتوازن بين الاستقرار والتغيير هو الطريق الأصعب، لكنه الأكثر واقعية.

في النهاية، القضية ليست فقط سياسية أو دستورية، بل إنسانية بالدرجة الأولى:

هل نتعلم من الألم؟ هل نقرأ التاريخ بصدق؟ هل نختار أن نبني مستقبلاً لا يُقصي أحداً؟ الإنسان لا يُختزل في انتمائه، والكرامة لا تتجزأ، والتاريخ لا يُمحى بالإنكار.
وإن كان الماضي مثقلاً بالجراح، فإن الاعتراف به هو الخطوة الأولى نحو تجاوزه.

الإنسانية لا ينبغي أن تكون مرتبطة بزمن أو موقف… بل هي موقف دائم—سواء كنا نرى أم لا.

قد يعجبك ايضا