جماليات البيان في الخطاب القرآني: قراءة في دلالات آية الجمعة

د. خالد عامر الحديثي
قال تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،[الجمعة: ٩]

يتجلّى البيان القرآني في أعلى صوره حين تتعانق الدلالة مع الإيقاع، ويتآزر التركيب مع المقصد، فتخرج الآية محكمةً في لفظها، عميقةً في معناها. وتأتي هذه الآية من سورة الجمعة مثالًا واضحًا لهذا التناسق؛ إذ تجمع بين النداء والتشريع والتوجيه في بناءٍ موجزٍ بليغ، يمزج بين الإلزام والإقناع، ويخاطب العقل والوجدان في آنٍ واحد.

تُفتتح الآية بنداءٍ مميّز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهو نداء يحمل طابع التكريم والتحفيز معًا، إذ يستحضر في المخاطب هويته الإيمانية، ويهيّئه لتلقّي الأمر بروح الامتثال. فاختيار وصف “الذين آمنوا” ليس اعتباطيًا، بل هو استدعاء للوازم الإيمان التي تقتضي الطاعة، وكأن الخطاب يُبنى على أساسٍ داخلي من القناعة قبل أن يكون توجيهًا خارجيًا.
ثم يأتي قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ بصيغة المبني للمجهول، في توجيهٍ بياني يركّز على الحدث نفسه، لا على فاعله، لأن العبرة بتحقق النداء لا بمن قام به. واختيار أداة الشرط “إذا” يفيد التحقق والتكرار، مما يرسّخ في الذهن انتظام هذا الحدث واستمراره. أما قوله: ﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، فجاءت “من” للتبعيض، في دلالة دقيقة على جزء مخصوص من اليوم، وهو وقت النداء، لا اليوم كله، مما يعكس دقة التعبير القرآني في تحديد الزمن دون إطالة.
ويتجلى البعد الحركي في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، حيث يحمل فعل “اسعوا” معنى الجدّ والمبادرة، لا مجرد المشي العادي، بما يوحي بأهمية الاستجابة وسرعتها. غير أن هذا السعي لا يقتصر على الحركة الجسدية، بل يتجاوزها إلى القصد والنية، ليكون توجهًا شاملًا نحو “ذكر الله”، الذي يشمل الخطبة والصلاة معًا، في جمعٍ بين العبادة القولية والعملية.
ويتعزّز المعنى بالمقابلة في قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، حيث يُقابل السعي إلى العبادة بترك الانشغال بالدنيا. واختيار لفظ “ذروا” يحمل دلالة أقوى من مجرد الترك، إذ يوحي بالإعراض التام والانفصال الحاسم، وكأن الخطاب يدعو إلى قطع الصلة المؤقتة بكل ما يشغل عن الواجب. وهذه المقابلة بين “السعي” و”الذر” ترسم توازنًا دقيقًا بين متطلبات الروح ومشاغل الحياة.
ثم يأتي التعليل في قوله: ﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، ليضفي على الأمر بعدًا إقناعيًا، فلا يكتفي بالتكليف، بل يبيّن الحكمة منه. فالإشارة بـ“ذلكم” تُعلي من شأن الفعل المأمور به، وتجعله كأنه حاضر يُشار إليه، بينما تفيد كلمة “خير” تفضيلًا مطلقًا يشمل منافع الدنيا والآخرة، في توجيه يجمع بين الترغيب العقلي والوجداني.
وتُختتم الآية بقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وهو شرط يحمل دلالة لطيفة، إذ يربط الامتثال بالعلم، وكأن الاستجابة الحقيقية ثمرة وعيٍ وإدراك. وفي هذا تعريض بمن لا يمتثل، حيث يُفهم منه أن سبب الإعراض هو نقص في العلم أو غياب في البصيرة، مما يضفي على الخطاب بعدًا تربويًا عميقًا.

ختاماً: تتكامل في هذه الآية عناصر البيان من نداءٍ مؤثر، وتحديدٍ زمني دقيق، وأمرٍ يحمل دلالة الحركة، ونهيٍ يقطع علائق الانشغال، وتعليلٍ يقنع العقل، وخاتمةٍ تستنهض الوعي. وبذلك، لا تقدّم الآية حكمًا تشريعيًا فحسب، بل تصوغه في قالبٍ بياني يجمع بين الجمال والدقة، ويجعل الامتثال فعلًا نابعًا من اقتناعٍ داخلي، لا مجرد استجابةٍ شكلية.

قد يعجبك ايضا