رمزي ميركاني
ترسم أوضاع السجون في العراق صورة قاتمة تعكس حجم التحديات التي تواجه حقوق الإنسان؛ حيث أضحى الاكتظاظ الشديد، والتعذيب، والإهمال الطبي ظواهر مستشرية. وتشير التقارير الدولية والمحلية باستمرار إلى وجود انتهاكات ممنهجة تُعرّض حياة آلاف السجناء للخطر. وتعد قضية الاكتظاظ المفرط إحدى أعقد المشكلات المزمنة التي تواجه النظام القضائي؛ فوفقاً لتصريحات وزير العدل العراقي، وصلت نسبة الاكتظاظ في السجون إلى 300%، مما شكل ضغطاً هائلاً على البنية التحتية،والخدمات الصحية، والوضع العام للنزلاء.
على سبيل المثال، أشار تقرير لمرصد “أفاد” إلى وجود 13 ألف سجين في سجن (الحوت) بمدينة الناصرية وحده، يعيشون في ظروف غير إنسانية بالغة السوء. كما أن أحد سجون مدينة المثنى، الذي صُمم ليتسع لـ 220 شخصاً، يكتظ فيه أكثر من 450 سجيناً. هذه البيئة المزدحمة تخلق مناخاً ملائماً لانتشار الأمراض، وتصاعد حدة العنف، وتفشي الممارسات اللاإنسانية، فضلاً عن حرمان السجناء من التعرض لأشعة الشمس لأكثر من 15 دقيقة يومياً، مما يضاعف من احتمالات تفاقم العدوىوالأمراض المزمنة.
وفي السياق ذاته، توثق منظمات حقوق الإنسان تقارير دورية حول استخدام التعذيب والمعاملة المهينة، مع الإشارة إلى ارتفاع مطرد في أعداد المحكومين بالإعدام. وأعلن “المركز العراقي لتوثيق جرائم الحق” عن رصد وفاة أكثر من 28 سجيناً نتيجةالتعذيب والإهمال الطبي، كما سُجلت حالات وفاة في سجني واسط وكركوك للسبب ذاته. وغالباً ما تُنتزع الاعترافات تحت وطأة الإكراه، مما يضع نزاهة العدالة تحت مجهر التساؤل. علاوة على ذلك، أضحى الفساد في ملف تجهيز الطعام مشكلة أخرى تؤثرمباشرة على صحة النزلاء، في حين يشكو ذوو السجناء من عراقيل بيروقراطية تمنعهم من زيارة أبنائهم بيسر.
ورغم تضارب الإحصائيات حول العدد الإجمالي للسجناء، إلا أنها تشير في مجملها إلى عشرات الآلاف؛ فوفقاً لتقديرات غير رسمية، يتراوح عدد المحتجزين بين 64 إلى 100 ألف شخص في السجون التابعة لوزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى مراكز احتجاز الأجهزة الأمنية الأخرى. ويؤكد نشطاء حقوقيون أن عدداً كبيراً من الأبرياء يقبعون في الزنازين دون تهم مثبتة. وقد سلط تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية الضوء على الاعتقالات العشوائية التي تطال النشطاء والصحفيين، منتقداً أداء السلطة القضائية، ومشيراً إلى منع المنظمات الدولية من مراقبة أوضاع المتهمين في قضايا الإرهاب.
استجابةً لهذه الانتقادات، اتخذت حكومة محمد شياع السوداني بعض الخطوات؛ إذ استحدث مكتب رئيس الوزراء منصات إلكترونية تتيح لضحايا التعذيب تقديم شكاواهم. وفي الوقت ذاته، أعلنت وزارة العدل عن خطة لتقليل الاكتظاظ تعتمد مسارين: الأول يركز على توسيع آليات الإفراج وإصدار قانون العفو العام، والثاني يتضمن بناء سجون جديدة وتوسعة القائم منها في محافظات العمارة والناصرية والنجف وبغداد. ورغم هذه الجهود،لا تزال أوضاع السجون تمثل واحداً من أكبر التحديات أمام الدولة والمجتمع الدولي، وهي بحاجة ماسة إلى إصلاحات جذرية ورقابة صارمة لضمان حماية كرامة السجناء وحقوقهم الأساسية.