بين بابل القديمة وبغداد اليوم: لماذا يحمل العراقيون ذاكرة الأسلاف في عقولهم؟

أ.د.خليل مصطفى عثمان

لا يولد الإنسان وعقله صفحة بيضاء تكتب عليها البيئة ما تشاء، بل يولد وهو يحمل في أعماقه خزانًا هائلاً من صور الماضي وذكريات الأجداد، وهذا ما أسماه عالم النفس السويسري كارل يونج “اللاشعور الجمعي”. هذه الفكرة الثورية تقترح أننا لا نرث ملامح آبائنا الجسدية فحسب، بل نرث أيضاً “نماذج بدئية” وصوراً فطرية تحدد كيف نرى العالم ونستجيب له. وإذا أردنا تطبيق هذا المفهوم على الحالة العراقية، فسنجد أننا أمام شعب لا يعيش حاضره فقط، بل يتردد في أعماقه صدى آلاف السنين من الحضارات والانكسارات والآمال التراكمية.
يظهر هذا اللاشعور بوضوح في “نموذج المخلص” الذي يسكن الوجدان العراقي؛ فمنذ أساطير “دموزي” السومري الذي ينبعث من عالم الموت ليعيد الحياة للأرض، وصولاً إلى الارتباط الروحي العميق بفكرة المنقذ، نجد أن العراقي يميل غريزياً للبحث عن البطل الكاريزمي الذي ينهي عصر الظلم.
هذا الانتظار ليس مجرد موقف سياسي أو ديني عابر، بل هو صرخة ممتدة من أعماق التاريخ، تعكس رغبة “النموذج البدئي” في تحقيق العدالة المفقودة.
وفي جانب آخر، يتجلى “نموذج الحزن المقدس” كأحد أعمق طبقات العقل الباطن في العراق. إن الحزن العراقي، الذي نلمسه في أطوار الغناء والنواح الطقسي، ليس مجرد تعبير عن ألم آني، بل هو صدى لبكائيات عشتار القديمة ولوعتها.
لقد تحول الحزن في الذاكرة الجمعية إلى وسيلة للتطهير الروحي والارتباط بالجماعة، حتى صار العراقي يجد في الشجن نوعاً من السكينة والوفاء لأسلافه الذين شاطرهم ذات الوجع عبر العصور.
كذلك نجد “سيكولوجية الطوفان” التي لا تزال تحكم القلق العراقي تجاه المستقبل؛ فذات الخوف الذي عاشه الإنسان القديم من فيضان دجلة والفرات الفجائي، تحول إلى قلق وجودي دائم من زوال الاستقرار. هذا الشعور بأن “كل شيء قد ينهار في لحظة” يفسر التوجس الجمعي الذي يطبع سلوك العراقيين، ويجعلهم في حالة تأهب دائم لمواجهة القدر. في نهاية المطاف يرتدي الفرد العراقي ثياب العصر الحديث، لكن عقولهم الباطنة لا تزال تهمس بلغة بابل وسومر، مما يجعل من فهم هذا اللاشعور الجمعي ضرورة لفهم الطبع العراقي وتجاوز أزماتهم، فالعراقي ليس ابناً لبيئته المباشرة فحسب، بل هو وريث لتاريخ نفسي عظيم لم يمت، بل لا يزال حياً في دهاليز عقله.

قد يعجبك ايضا