عيد العمال..بين عالم يحتفل وحقٍّ مهضوم.

تزرين يعقوب سولا

في الأوّل من أيار، ترتفع الشعارات، وتُرفع اللافتات، وتمتلئ الشاشات بكلمات التقدير للعمال، أولئك الذين يحملون على أكتافهم تفاصيل الحياة اليومية، ويمنحون المدن نبضها، والمؤسسات استمرارها، والبيوت دفءَ استقرارها.
يومٌ يُفترض أن يكون مساحة للاعتراف بكرامة العامل، وتقدير جهده، والإنصات إلى صوته .
لكن هذا العيد لم يولد من فراغ، ولم يكن يومًا احتفاليًا عابرًا، بل جاء نتيجة تاريخ طويل من التعب والمعاناة.
فمنذ العصور القديمة، كان العامل يشكّل العمود الأساس لبناء الحضارات، لكنه في كثير من الأحيان لم يكن ينال ما يستحقه من إنصاف.
في الحضارات القديمة، كحضارات وادي الرافدين ومصر وروما وغيرها، عمل الناس في الزراعة والبناء والحرف اليدوية تحت ظروف شاقة، وكان بعضهم يُعامل كأداة للإنتاج لا كإنسان له حقوق وكرامة.
وشهد التاريخ فترات استُخدم فيها العبيد والطبقات الفقيرة في الأعمال الثقيلة، لبناء المدن والمعابد والطرق، بينما كانت حقوقهم محدودة وحياتهم مليئة بالمشقة.
ورغم ذلك، بدأت بعض الحضارات تضع قوانين تنظم العمل والأجور، إدراكًا لأهمية العامل في استقرار المجتمع.
ومع تطور الزمن، تغيّرت نظرة المجتمعات تدريجيًا نحو قيمة العمل وحقوق الإنسان، لكن مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر عادت معاناة العمال بشكل قاسٍ، إذ كانت ساعات العمل طويلة جدًا، والأجور متدنية، وظروف العمل تفتقر إلى الأمان والرحمة.
حينها، خرج العمال في احتجاجات وإضرابات مطالبين بحقوق عادلة، أبرزها تحديد ساعات العمل، وتحسين الأجور، وتأمين بيئة تحفظ الكرامة الإنسانية.
وكانت أحداث مدينة شيكاغو عام 1886 من أبرز المحطات التي مهّدت لاعتماد الأول من أيار يومًا عالميًا للعمال، تخليدًا لنضالهم وتضحياتهم.
وعبر سنوات طويلة من الكفاح، بدأت القوانين تُنصف العامل تدريجيًا، فظهرت تشريعات تحمي حقوقه، وتحدد ساعات العمل، وتمنع تشغيل الأطفال، وتضمن الإجازات والضمانات الصحية والتقاعدية، وتكفل حق الدفاع عن الحقوق المهنية.
وأصبح احترام العامل معيارًا لتحضّر المجتمعات وعدالتها.
لكن، ورغم كل ما تحقق، ما تزال هناك وجوه متعبة لا تعرف من “عيد العمال” سوى اسمه.
عاملٌ يستيقظ قبل الفجر ليعود منهكًا آخر النهار، وآخر يعمل بلا ضمان، ولا أمان وظيفي، وامرأة تكافح بين مسؤوليات العمل والحياة دون حماية حقيقية لحقوقها.
وهناك من تحوّل العمل بالنسبة له من وسيلة للعيش الكريم إلى معركة يومية للبقاء.
فالاحتفال الحقيقي بالعامل لا يكون بخطاب عابر أو كلمات موسمية، بل بتأمين حياة تحفظ إنسانيته، وأجرٍ يليق بتعبه، وبيئة عمل عادلة.
فاليد التي تبني، وتزرع، وتعلّم، وتخدم، تستحق أكثر من التصفيق… تستحق العدالة والكرامة.
بين عاملٍ يحتفل بيومه، وآخر ما تزال حقوقه معلّقة، يبقى السؤال قائمًا:
متى يتحوّل عيد العمال من مناسبة رمزية… إلى واقعٍ أكثر عدلًا وإنصافًا؟

قد يعجبك ايضا