حكومة تُعيد للدولة معناها: بين العدالة والجرأة على الإصلاح
د. محمد صديق خوشناو
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بعدد حكوماتها، بل بقدرتها على تصحيح أخطائها. والعراق اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس في تغيير الوجوه، بل في تغيير النهج. فالمواطن لم يعد ينتظر وعوداً، بل أفعالاً تعيد للدولة هيبتها، وتُعيد للسلطة معناها كأداة لخدمة الناس، لا وسيلة للامتياز.
إن المدخل الحقيقي لأي إصلاح يبدأ من قاعدة لا تقبل المساومة: لا إصلاح بلا عدالة، ولا عدالة بلا محاسبة. لقد تحوّل الفساد في العراق من ظاهرة إلى منظومة، ومن استثناء إلى قاعدة تهدد بنية الدولة. ومعالجة هذا الواقع لا تكون عبر لجان شكلية أو حملات إعلامية مؤقتة، بل عبر قرار سياسي شجاع يفتح الملفات دون انتقائية، ويضع الجميع أمام ميزان القانون، ويستعيد المال العام باعتباره حقاً للشعب لا يُساوَم عليه.
ومن هذا المنطلق، فإن إبعاد الوزراء والمسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بالفشل أو الفساد لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية. فالإبقاء على ذات الوجوه يعني إعادة إنتاج الأزمة، بينما التجديد القائم على الكفاءة والنزاهة هو الخطوة الأولى نحو بناء الثقة. فالدولة لا تُصلح نفسها بالأدوات ذاتها التي أضعفتها.
غير أن العدالة لا تكتمل دون إنصاف القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها تطبيق المادة 140 من الدستور، التي تمثل اختباراً لجدية الدولة في احترام استحقاقاتها الدستورية. إن حسم هذا الملف بروح وطنية مسؤولة، بعيداً عن التوظيف السياسي، كفيل بترسيخ الاستقرار وتعزيز الشراكة الحقيقية بين مكونات العراق.
كما أن أزمة رواتب موظفي إقليم كردستان تمثل جرحاً مفتوحاً في جسد الدولة، لا يجوز التعامل معه كأداة ضغط سياسي. فهؤلاء الموظفون ليسوا طرفاً في الخلافات، بل مواطنون لهم حقوق دستورية يجب أن تُصان. والدولة التي تعجز عن دفع رواتب مواطنيها، تعجز عن إقناعهم بالانتماء إليها.
وفي موازاة ذلك، تبقى الأولويات الخدمية حجر الأساس لأي مشروع حكومي جاد. فالتعليم، والصحة، والبنية التحتية ليست ملفات ثانوية، بل هي مقياس نجاح الحكومات. مدرسة حديثة، ومستشفى مجهّز، وفرصة عمل حقيقية: هذه هي اللغة التي يفهمها المواطن، وهي المعيار الحقيقي للإنجاز.
غير أن كل هذه الأهداف تبقى مرهونة بعامل حاسم: الإدارة الكفوءة والنزيهة. فاختيار الوزراء والمستشارين يجب أن يستند إلى الخبرة والتخصص، لا إلى المحاصصة أو الولاءات الضيقة. فالدولة الحديثة تُبنى بالعقول، لا بالترضيات.
إن العراق اليوم لا يحتاج إلى حكومة تُجيد الخطابة، بل إلى حكومة تُجيد الفعل. حكومة تمتلك شجاعة القرار، ووضوح الرؤية، ونظافة اليد. حكومة تُدرك أن ثقة المواطن لا تُمنح، بل تُنتزع بالإنجاز.
في النهاية، ليست المشكلة في قلة الإمكانيات، بل في غياب الإرادة. فإذا حضرت الإرادة، حضر التغيير، وإذا غابت، تكرّر الفشل.
إنها لحظة حاسمة: إما أن تُبنى دولة على أساس العدالة والقانون، أو تُضاف فرصة جديدة إلى سجل الفرص الضائعة.