ارهاصات بيئية الحاجة لتصميم مدن ذكية وخضراء

صادق الازرقي

تعد المدن الخضراء أو المستدامة حلاجوهريا للتحديات البيئية المعاصرة، اذتعتمد فلسفتها على دمج الطبيعة في النسيج العمراني بدلا من استبدالها بالخرسانة. من أهم فوائد هذا التصميمخفض درجات الحرارة، اذ ان الغطاء النباتي والأشجار يوفران الظل ويبردان الجو عبر عملية النتح، مما قد يخفض درجات الحرارة بمقدار 2 إلى 8 درجات مئوية. وتعمل الأشجار والنباتات كمصاف طبيعية تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين، كما تحتجز الجزيئات الملوثة والغبار العالق في الجو.

والتصاميم الخضراء تمتص مياه الأمطار بدلا من تراكمها، مما يقلل من مخاطر الفيضانات الحضرية ويخفف الضغط عن شبكات الصرف الصحي.

وعن طريق توفير الظل الطبيعي والعزل الحراري عبر “الجدران الخضراء” والأسطح المزروعة، ينخفض الاحتياج لتشغيل أجهزة التكييف صيفا والتدفئة شتاء، مما يوفر كميات ضخمة من الطاقة.وتوفر هذه المدن ملاذات آمنة للطيور والحشرات النافعة والحيوانات الصغيرة وسط البيئة الحضرية، مما يحافظ على التوازن البيئي.

والمناطق الخضراء تشجع على ممارسة الرياضة والمشي، كما أثبتت الدراسات دورها الكبير في تقليل التوتر وتحسين الصحة النفسية للسكان.

وتعمل الأحزمة الشجرية والجدران النباتية كحواجز طبيعية للصوت، مما يقلل من ضجيج المرور والمصانع فيداخل الأحياء السكنية.

وكلما زادت المساحات الخضراء، زادت قدرة المدينة على تعويض انبعاثاتها الكربونية الناتجة عن النقل والصناعة. هذا التوجه يسهم بشكل مباشر في تحقيق الأهداف العالمية للحد من الاحتباس الحراري وتقليل البصمة الكربونية للمجتمعات البشرية.

وتعد سنغافورة النموذج العالمي الأبرز الذي نجح في التحول من “مدينة حدائق” إلى “مدينة في غابة”، حيث استطاعت الموازنة بين الكثافة السكانية العالية والاستدامة البيئية بشكل مذهل.

وتفرض الحكومة على المطورين العقاريين استبدال أي مساحة خضراء يجريفقدانها بسبب البناء بمساحة مساوية لها تماما في داخل المبنى نفسه. أدى ذلك إلى ظهور ناطحات سحاب مغطاة بالكامل بالأشجار والنباتات (الغابات الرأسية)، حيث تجد الحدائق في منتصف الطوابق وعلى الأسطح.

وقامت المدينة بربط المتنزهات والحدائق ببعضها عبر ممرات للمشاة والدراجات الهوائية محاطة بالأشجار، مما يسمح للحياة البرية كالطيور والزواحف بالتنقل في داخل المدينة من دون انقطاع، ويشجع السكان على التنقل المستدام.

وجرى تحويل قنوات الصرف الخرسانية القديمة إلى أنهار طبيعية وحدائق مائية، مما ساعد في امتصاص مياه الأمطار الغزيرة ومنع الفيضانات، وفي الوقت نفسه خلق مساحات ترفيهية للسكان.

واسهمت هذه الغابات الحضرية في تقليل تأثير “الجزيرة الحرارية”، مما جعل المشي في الشوارع ممكنا برغم الطقس الاستوائي الحار، و أصبحت الخضرة علامة تجارية للمدينة، مما جعلها بيئة جاذبة للعيش والعمل والسياحة البيئية.

وفضلا عن سنغافورة، هناك أمثلة أخرى ملهمة مثل مدينة كوبنهاجن في الدنمارك التي تهدف لتكون أول عاصمة محايدة للكربون في العالم، ومدينة كوريتيبا في البرازيل التي تشتهر بنظام النقل الأخضر والتخطيط العمراني الذكي.

وباختصار نقول، على الجهات المعنية في العراق ان يتكامل عملها لإنشاء مدن تليق بسكانها، فعند التخطيط لبناء المدن الجديدة او الطرق السريعة يجب ان يوضع في الخطة ادماج المناطق والبيئات الخضراء معها كي يكتمل العمل بإنجازالمنشآت العمرانية من جهة وتحسين البيئة من جهة أخرى.

قد يعجبك ايضا