حلول بتقنيات الرصف البارد: توسعة الطرق السريعة تزيد حرارة المدن والجزر الحرارية

متابعة التآخي

كشفت دراسة علمية حديثة، أن توسعة الطرق السريعة قد تكون أحد العوامل غير المتوقعة التي تسهم في تفاقم ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، اذ ترتفع درجات حرارة المدن بشكل ملحوظ مقارنة بالمناطق المحيطة بها، نتيجة انتشار الأسفلت والخرسانة وتغير أنماط تدفق الهواء في داخل النسيج العمراني.

وأجريت الدراسة من قبل فريق بحثي في جامعة نورث إيسترن الأمريكية، ونُشرت نتائجها في مجلة Cities، معتمدين على تحليل بيانات حرارية مأخوذة من الأقمار الصناعية لعدد من مشاريع توسعة الطرق في منطقة خليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا.

أظهرت النتائج، أن 11 مشروعا لتوسعة الطرق السريعة، شملت إضافة مسارات جديدة وتعديلات في البنية التحتية، أدت إلى زيادة واضحة في تأثير الجزر الحرارية، اذ اسهمت هذه المشاريع فيما بين 70% إلى 88% من ارتفاع الفارق الحراري المسجل في المناطق المحيطة.

وأوضحت البروفيسورة سيرينا ألكسندر، المتخصصة في السياسات العامة والهندسة البيئية، أن هذه النتائج لا تعني رفض بناء الطرق السريعة، لكنها تؤكد ضرورة إدراك آثارها البيئية وإيجاد حلول للتخفيف منها.

تشير الدراسة إلى أن بناء الطرق السريعة لطالما عد وسيلة لتخفيف الازدحام وربط المدن، إلا أن الواقع العملي يظهر أن الازدحام المروري غالبا ما يعود إلى مستوياته السابقة بعد مدة من التوسع، نتيجة زيادة الاعتماد على السيارات الخاصة.

اختار الباحثون ولاية كاليفورنيا كأنموذج للدراسة بسبب النمو السكاني الكبير وتوسع البنية التحتية للطرق فيالسنوات الأخيرة. وتشير البيانات الرسمية إلى إضافة مئات الأميال منالمسارات الجديدة بين عامي 2018 و2023 فقط. لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تقتصر على كاليفورنيا، بل يمكن أن تنطبق على مدن أخرى تشهد توسعا مشابها في شبكات الطرق.

توضح الدراسة أن الأسطح الإسفلتية والخرسانية تمتص كميات كبيرة من الإشعاع الشمسي وتخزنه، ثم تعيد إطلاقه تدريجيا، ما يرفع درجات الحرارة المحلية. كما أن الكتل الخرسانية الكبيرة تعوق حركة الرياح الطبيعية في داخل المدن، ما يقلل من قدرة الهواء على تبديد الحرارة ويزيد من تراكمها.

تقترح الدراسة مجموعة من الحلول للتخفيف من هذه الظاهرة، أبرزها إنشاء أحزمة خضراء على جانبي الطرق السريعة، تشمل الأشجار والشجيرات والأغطية النباتية، التي تساعد على امتصاص الحرارة وتوفير الظل.

هذه المساحات الخضراء لا تقلل الحرارة فقط، بل تسهم أيضا في تحسين جودة الهواء وتقليل التلوث الناتج عن حركة المرور.

إلى جانب الحلول الطبيعية، تشير الدراسة إلى إمكانية استعمال ما يُعرف بـالرصف البارد”، وهو نوع من الأسفلت أو الخرسانة المصممة لعكس جزء من الإشعاع الشمسي بدلا من امتصاصه.

وتشير بيانات وكالة حماية البيئة الأمريكية إلى أن الأسفلت التقليدي قد يصل إلى درجات حرارة تتجاوز 66 درجة مئوية في النهار، بينما يمكن للرصف البارد أن يخفض حرارة السطح بمقدار يتراوح بين 5 و9 درجات مئوية.

تؤكد البروفيسورة ألكسندر أن الحلول التقنية وحدها غير كافية، وأن المشكلة تمتد إلى السياسات التي تحكم بناء الطرق السريعة، مشيرة إلى أن معظم الأطر التنظيمية الحالية، مثل قانون السياسة البيئية الوطني الأمريكي (NEPA)، وُضعت منذ سبعينات القرن الماضي. وتضيف أن هذه القوانين صيغت في وقت كانت فيه المعرفة بالتأثيرات البيئية محدودة، فيما أصبح بالإمكان اليوم استغلال بيانات الأقمار الصناعية والنماذج المناخية لقياس الأثر بدقة أكبر.

تدعو الدراسة إلى تحديث أنظمة تقويم الأثر البيئي لمشاريع البنية التحتية، بحيث تعكس البيانات العلمية الحديثة حول التغير المناخي والجزر الحرارية، بما يضمن تحقيق توازن بين التنمية العمرانية والاستدامة البيئية.

يشار الى ان مشاريع إنشاء الطرق السريعة يتوجب ان تكون مقترنة بالتشجير الذي يعد استثمارا حيويايجمع بين تطوير البنية التحتية وحماية البيئة، مما يسهم في تحسين جودة الحياة، وتعزيز السلامة المرورية، والحد من التصحر، اذ تعمل الأشجار كمصدات للرياح وتسهم في تقليل التلوث الجوي، حيث تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون وتحول الملوثات إلى أكسجين نقي. و تسهم زراعة الأشجار على جوانب الطرق في إيقاف زحف الرمال والعواصف الترابية، مما يحمي الطرق من الردم.

وفي العراق، يجري العمل على تشجير الطريق السريع الذي يربط محافظات (ذي قار، المثنى، الديوانية) بطول 100 كيلومتر، اذ جرى إنجاز مستجمعات مائية وزراعة نباتات مقاومة للجفاف والملوحة باستغلال الري بالتنقيط، بهدف تقليل زحف الرمال، كما يجري التوجهنحو استبدال أشجار “الكونوكاربس” بأشجار معمرة ومناسبة للبيئة مثل (السدر، اليوكالبتوس، والالبيزيا) لضمان ديمومة الغطاء النباتي.

قد يعجبك ايضا