الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
وخلال زيارتي إلى وزارة التربية لإقليم كوردستان، استوقفتني هذه الصورة ذاتها معلّقة على جدار غرفة الإدارة، وتحديداً فوق مكتب الموظفة الفاضلة الأخت صديقة سعيد أحمد فتاح. لم تكن الصورة حينها مجرّد إطار يزيّن الجدار، بل ذاكرة حيّة تنبض بتاريخ النضال.
بدافع الفضول الممزوج بالاحترام، سألتها عن الأشخاص الذين تضمّهم الصورة، فابتسمت بفخر وقالت: «هذا أبي… بيشمركة، يقف بين الرئيس القائد مسعود البارزاني والمرحوم القائد إدريس البارزاني، وإلى جانبه إخوته من البيشمركة الأبطال».
في تلك اللحظة، تحوّلت الصورة من وثيقة تاريخية إلى حكاية إنسانية متوارثة، تختصر تضحيات الآباء وتُجسّد استمرار الرسالة في الأبناء.
هكذا تمتد الثورة من الجبال إلى المؤسسات، ومن ساحات القتال إلى قاعات التربية والتعليم، ليبقى دم البيشمركة وقصصهم نبراساً للأجيال، وتبقى كوردستان وفية لأبنائها الذين كتبوا تاريخها بالفعل لا بالكلمات
ليست كل الصور مجرّد لحظات عابرة، فبعضها يتحوّل إلى وثيقة وطنية تختزن تاريخاً كاملاً من التضحيات والمواقف المصيرية. هذه الصورة الخالدة، الملتقطة عام 1970 في منطقة ناوبردان، تُجسّد صفحة مشرقة من مسيرة النضال الكوردي، وتجمع نخبة من أبطال البيشمركة الذين صنعوا المجد بدمائهم وصبرهم وإيمانهم العميق بعدالة القضية.
في قلب الصورة يقف المرحوم القائد إدريس البارزاني، وإلى جانبه الزعيم مسعود البارزاني قائد الشعب الكوردي، ومعهما الفريق الركن بابكر زيباري، في مشهد يعكس وحدة القيادة والميدان، والتلاحم بين الرمز والمقاتل، وبين القرار والتضحية. وقد التُقطت هذه الصورة قرب مقر القائد الخالد والوالد الروحي للثورة الكوردية ملا مصطفى البارزاني رحمه الله، في منطقة كانت وما زالت عنواناً للصمود والعزة.
هؤلاء الأبطال هم من رجالات ثورتي أيلول وگولان، شاركوا في أشرس المعارك دفاعاً عن كرامة الشعب الكوردي وحقه في الحياة الحرة الكريمة. بعضهم ارتقى شهيداً، وآخرون بقوا شهوداً أحياء على مرحلة مفصلية من تاريخ كوردستان. ومن بين الأسماء التي خلدها الميدان:
حمه عزيز مسؤول جهاز اللاسلكي، سعيد احمد فتاح ، دلاور حمه قادر، يوسف ملا أحمد، سعيد أحمد فتاح، الشهيد جمال رشيد، عبدالله جولاخه، أحمد باران، فرهاد خلكي، مصطفى بيته لي، شكري نيروى، عزالدين ثامر، فريدون حسين، الدكتور حسين، حسين جايجي، عزالدين قره محمد، ومجيد دوشكة الذي سطّر اسمه ببطولة نادرة حين أسقط طائرة للجيش العراقي أثناء معارك أيلول.
وتقف في هذه الصورة أيضاً دلالة وطنية وإنسانية عميقة، بمشاركة حسن بله لاعب المنتخب العراقي، ومن القومية العربية، الذي قاتل جنباً إلى جنب مع إخوانه الكورد، ليؤكد أن قضية الحرية لا تعترف بالقومية الضيقة، وأن الدم العراقي كان واحداً حين اجتمع على مواجهة الظلم.
أما ناوبردان (Nawberdan)، فهي ليست مجرد موقع جغرافي، بل أرض مناضلين، ومقر القائد الخالد ملا مصطفى البارزاني، وجزء أصيل من إقليم كوردستان العراق ضمن محافظة أربيل (هولير). منطقة جبلية شامخة بطبيعتها، قاسية بشتائها، معتدلة بصيفها، لكنها كانت دائماً دافئة بأرواح الثوار، وغنية بتضحيات رجالها.
إن هذه الصورة ليست ذكرى فحسب، بل رسالة للأجيال القادمة، بأن الحرية لم تكن يوماً منحة، بل كانت ثمرة نضال طويل، وأن البيشمركة لم يكونوا مجرد مقاتلين، بل حراس هوية وكرامة وتاريخ.
رحم الله الشهداء، وخلّد الأحياء، وبقيت ناوبردان شاهدة على زمن الرجال .