د. فاضل علي
في تلك المناطق الجبلية التي تعانق السحاب، حيث تتكسر الرياح على سفوح كرماشان كما تتكسّر الذكريات على جدران قلبٍ قديم، وُلدت حكايةٌ تمشي على حدّ الفاصل بين الخيال والحقيقة.
هناك، في تلك الأرض الكوردية التي تحفظ أسرارها في صدور الرجال وذاكرة النساء، لا تزال أسطورة شاهماران تُروى كأنها نشيدٌ سريّ يصدح في ليالي الشتاء الطويلة، حين يجتمع الناس حول النار، وينصتون لقصصٍ تتجاوز حدود العقل.
يقول أهل كرماشان إن الأسطورة ليست مجرد حكاية تُروى، بل روحٌ تقيم بين الصخور، تظهر فقط لمن يعرف طريق القلب قبل طريق الجبال.
ولادة الأسطورة في قلب الجبال
بحسب الرواية الكوردية القديمة، لم تكن شاهماران مخلوقًا غريبًا قدر ما كانت حكمةً في هيئة جسد. امرأةٌ في نصفها الأعلى؛ ملامحها مسكونة برهبة المعرفة، وعيناها تشبهان بحيرتين من الصمت العميق. أما نصفها الأسفل، فكان أفعى ضخمة، يتوهج جلدها كلما اقترب منها الضوء، وكأنها تحمل في حراشفها تاريخ الأرض منذ أول صخرة تشكلت في هذا العالم.
في كهوفٍ تمتدّ تحت الأرض، بعيدة عن ضجيج البشر، كانت شاهماران تحكم مملكة الأفاعي بحنانٍ لا يعرفه الإنسان، وعدلٍ لا يتحقق إلا في الأساطير. كانت ترى في الخطأ درسًا، وفي الألم عبورًا، وفي المعرفة خلاصًا.
لقاء طاهش… حين يصعد الإنسان إلى الأسطورة
تروي الحكاية أن شابًا يُدعى طاهش ضلّ طريقه في الجبال الوعرة، فوجد بئرًا مهجورًا قاده إلى مغارةٍ غارقة في العتمة. لكنّ العتمة لم تلبث أن انشقّت عن نور دافئ، ليجد نفسه في عالمٍ لم يره بشرٌ قبله. هناك ظهرت شاهماران لأول مرة، كأنّ الأرض نفسها قد قدّمته إليها.
استقبلته الأفعى-المرأة بلا خوف، فقد كانت تعرف أن الإنسان، مهما بدا قويًا، يحمل داخله هشاشةً لا تُرى. منحته من علمها، وكشفت له أسرار النباتات، وأنفاس التراب، ووشوشات الصخور، حتى بات يشعر أن قلبه اتسع بما لم يتسع له يومًا.
صراع بين عالمين… وفاءٌ لا يقدر عليه البشر
لكنّ الإنسان لا ينتمي لجوّ المعرفة وحدها. حين عاد طاهش إلى مدينته في كرماشان، وجد الناس يئنّون من مرضٍ قاتل، وحاكمهم على شفير الموت. وانتشرت شائعة عن الشاب الذي عاد بالحكمة، فصاروا يطاردونه بأسئلتهم وخوفهم وأوجاعهم.
حاول أن يحفظ سرّ شاهماران. حاول أن يكون وفيًّا لتلك التي أعطته كل شيء.
لكن حين تتصارع الحكمة مع خوف البشر، ينتصر الخوف. اعترف طاهش بالمكان. ومضى الجنود إلى الكهف.
موت الحكمة… وبداية اللعنة
وقفت شاهماران أمامهم بلا مقاومة، كأنها تعرف أنّ قدرها ليس الهرب، بل التعليم… حتى في لحظة موتها. وحين نظرَت إلى طاهش، كانت نظرتها أشبه بمرآة يراها الإنسان حين يعترف بضعفه. لم تحمل تلك اللحظة غضبًا، بل حملت حقيقة واحدة:
أن البشر يعجزون عن حماية ما يحبونه إذا خافوا.
قُتلت شاهماران، وصار جسدها دواءً للمريض، وترياقًا يعيد العافية. لكنّ موتها لم يكن نهاية الأسطورة؛ بل بدايتها. فالناس يقولون إن كل حكمةٍ تولد من ألم، وإن كل صدقٍ يولد من تضحية، وإن شاهماران لم تُقتل… بل تحوّلت إلى روحٍ تسكن الذاكرة الكوردية منذ آلاف السنين.
خاتمة: حين تبكي الجبال… وتبقى الأسطورة
وهكذا، في كرماشان، لا تزال الحكاية تُروى. تجلس النساء في ليالي الشتاء ويحكين للأطفال عن سيدةٍ كانت نصف أفعى لكنها أكثر إنسانية من البشر. وتقول الجدّات إن شاهماران تظهر في الحلم لمن ضاع طريقه. وإن صوتها يسمعه فقط من يبحث عن الحقيقة بلا خوف. وإن الحكمة، مثلها، لا تُمنح بلا ثمن… ولا تختار إلا القلوب الصادقة.
شاهماران ليست أسطورة فقط؛ إنها مرآة الإنسان:
مرآة ضعفه، وخوفه، وخيانته، ورغبته في المعرفة، وحنينه إلى النور الذي يعيش في الأعماق.